وأنت إن أديت المفروض تكون قد التزمت بالمنهج ، وقد سأل رجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن فرائض الإسلام ثم قال : لا أزيد ولا أنقص ، فقال الرسول الكريم : « أفلح إن صدق » « 1 » .
والزيادة على ما فرضه اللّه ، ومن جنس ما فرض يكون لها ملحظان :
الأول : أن العبد يشهد لربه بالرحمة ؛ لأنه كلّف دون ما يستحق .
والملحظ الثاني : هو أن عمل الطاعة قد خفّف على المؤمن فاستراح بها .
ألم يقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الصلاة : « أرحنا بها يا بلال » « 2 » .
إذن : فالمطوّع هو الذي يزيد على ما فرض اللّه عليه من جنس ما فرض اللّه ؛ وهؤلاء هم المحسنون ؛ الذين قال الحق عنهم في سورة الذاريات :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 15 ) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ( 16 ) كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ( 17 ) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 18 ) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
( 19 ) [ الذاريات ]
فالمنهج لا يلزمني بأن أنام قليلا من الليل وأقضى بقيته في الصلاة ، ولم يلزمني أحد بالاستغفار في الأسحار « 3 » . ولم يقل اللّه سبحانه في هذه الآية إن في المال حقا معلوما ؛ لأن الإنسان المؤمن هنا يعطى بأكثر مما فرض .
وعندما يتطوع مؤمن ويزيد على ما فرض اللّه ، أيستحق أن يذمّ ويعاب ويلمز ؟ أم أنه يستحق أن يكرّم ويقدّر ؟ ولكنه اختلال موازين المنافقين في
هامش
( 1 ) عن طلحة بن عبيد اللّه قال : جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوى صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا ، فإذا هو يسأل عن الإسلام . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « خمس صلوات في اليوم والليلة » . . . حتى ذكر صيام رمضان والزكاة . قال طلحة : فأدبر الرجل وهو يقول : واللّه لا أزيد على هذا ولا أنقص . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أفلح إن صدق » . أخرجه البخاري في صحيحه ( 46 ) ومسلم ( 11 ) .
( 2 ) سبق تخريجه .
( 3 ) الأسحار : جمع سحر . وهو آخر الليل قبيل الصبح .