تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5355

مساهمون:

ص٥٣٥٥
إذن : من أين جاء بذلك ؟ أعلمه به الحق سبحانه الذي يعلم خبأة « 1 » السماوات والأرض ، وهتك له أيضا حجاب الزمن المستقبل ؛ فعلم صلّى اللّه عليه وسلّم الأحداث قبل أن تقع ، وأعلمه إياها من ملك ناصية الزمان ، وملك ناصية المكان ، وملك ناصية الأحداث . وهذا هو هتك حجاب الزمن المستقبل ، وهتك سبحانه لرسوله حجاب المكان ، فكان صلّى اللّه عليه وسلّم يخبرهم عن شئ في نفوسهم ، فقد أوحى له الحق :
وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ . . .
( 8 ) [ المجادلة ] بالله عندما يسمع الرجل من هؤلاء لما قاله في نفسه ، ويخبره رسول اللّه بما قال ، فمن الذي هتك الحجاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ إن الذي هتك الحجاب لرسول اللّه هو من يعلم السرّ وأخفى ؛ فلا توجد حجب غائبة عن اللّه ؛ لأن حجب الغيب إنما تكون على البشر ؛ حجاب ماض ، وحجاب مستقبل ، وحجاب مكان ، وحجاب زمان .
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
أي : أن علم اللّه ليس مقصورا على معرفة أمورهم هم ، بل علم اللّه سرّهم ونجواهم ؛ لأن صفته القيومية ، وأنه علام الغيوب ؛ يعلم غيب هذا ، وغيب هذا ، وغيب هذا ، وغيب هذا ، وجاءت المبالغة من تكرار علم غيب كل أحد . إذن :
عَلَّامُ الْغُيُوبِ
تعنى أنه يعلم حتى ما حاولت كتمه وستره ، فقد قال سبحانه :
إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ . . .
( 16 ) [ لقمان ]
هامش
( 1 ) الخبأة والخبء : كل شئ غائب مستور . ويقول تعالى في سورة النمل :أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ النمل : 25 ] . وقال ابن أسلم : هو ما جعل فيهما من الأرزاق : المطر من السماء ، والنبات من الأرض . ( انظر : ابن كثير 3 / 361 ) .