تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5348

مساهمون:

ص٥٣٤٨
حتى ضاقت بها شعاب المدينة ؛ فهرب بها إلى شعاب الجبال ، وإلى الصحراء الواسعة ، فامتلأت ، فشغلته أمواله أول ما شغلته عن صلاة الجماعة ، وأصبح لا يذهب للصلاة إلا في يوم الجمعة ؛ فلما كثرت كثرة فاحشة ؛ شغلته أيضا عن صلاة الجمعة . وفي ذلك دليل صدق لتنبؤ رسول اللّه له . إذن : فكل الأمر إنما جاء تأييدا لمنطق الرسول معهم ؛ حتى يسفّههم في أنهم نافقوا في الإسلام . وبعد ذلك سأل عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا : إنه في الشعاب شغله ماله . فقال : يا ويح ثعلبة . وأرسل إليه عامل الصدقة « 1 » ؛ لأن ثعلبة قد عاهد اللّه وقال :
لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ
فذهب عامل الصدقة إليه ، فلما قال له : هات ما كتب اللّه عليك من الصدقة من مالك . قال : أهي أخت الجزية « 2 » ؟ وذكّره عامل الصدقة : أنت الذي عاهدت ، ومن ضمن عهدك أنك إن أوتيت تصدقت وكنت من الصالحين ، فما لك لا توفى بالعهد . ورد ثعلبة على عامل الصدقة : اذهب حتى أرى رأيي . إذن : هو قد عاهد اللّه ، ودعا رسول اللّه ، واستجاب اللّه له ، وكثرت أمواله ، وبعد ذلك صدّق اللّه نبيه في قوله : « قليل تؤدى شكره ، خير من
هامش
( 1 ) وذلك حينما نزلت آية :خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها[ التوبة : 103 ] . فثعلبة هنا كان قد عاهد اللّه لئن رزقه وأعطاه ليتصدقن ، ولم تكن محددة فلما نزلت آية :خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ . .[ التوبة : 103 ] وفرضت الزكاة رفض إنفاذ ما عاهد عليه اللّه . وهذا نظير ما حكاه رب العزة عن بني إسرائيل :إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ[ البقرة : 246 ] . ( 2 ) الجزية : هي مبلغ من المال يوضع على من دخل في ذمة المسلمين وعهدهم من أهل الكتاب ، وقد فرضها الإسلام عليهم في مقابل فرض الزكاة على المسلمين ، ونظير قيامهم بالدفاع عن الذميين وحمايتهم في البلاد الإسلامية التي يقيمون فيها ، وهي تجب على من كان : ذكرا ، مكلفا ، حرا . ولا تجب على مساكين وفقراء أهل الكتاب . انظر : فقه السنة للشيخ سيد سابق ( 3 / 112 - 117 ) .