مثبتة ، ومع ذلك فهؤلاء الفراعنة لم يستطيعوا أن يسودوا الكون رغم قوتهم وحضارتهم ، بل أخذهم اللّه أخذ عزيز مقتدر . وجاءت الرمال فدفنت حضارتهم . ثم شاء اللّه لنا أن نكشف عن جزء بسيط منها ؛ فإذا بهذا الجزء البسيط يبهر الدنيا كلها . وإذا بالعالم كله يأتي ليشاهد حضارة الفراعنة ، ويتعجب من هذا الفن وهذا الرقى في العلم . فإذا كانت هذه هي حضارة آل فرعون ، فما بالك بحضارة إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ؟
وهكذا نعلم أن بعض حضارة إرم ذات العماد ما زالت مخفية حتى الآن لا يعلم أحد عنها شيئا . ومدفونة في باطن الأرض . ولعل اللّه سبحانه وتعالى قد أبقاها ليكشفها في زمن قادم يزداد فيه بعد الناس عن الدين ؛ لأن الإنسان كلما تقدم في الحضارة ابتعد عن الإيمان ؛ لإحساسه بأنه متمكن في الكون ؛ مسيطر عليه ؛ حينئذ ربما يكشف الحق سبحانه وتعالى عن حضارة
إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ
ليعرف الناس أن ما وصلوا إليه لا يساوى شيئا مما كشفه اللّه لهؤلاء القوم .
وإن سأل سائل : أين هي حضارة
إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ؟
نقول له :
إنها في وادى الأحقاف « 1 » والهبّة الواحدة من الرياح في هذا الوادي تستر قافلة بأكملها ؛ أي إذا هبّت ريح ، فإن الرمال لا تدارى الطريق وحده ؛ ولكنها تدارى القافلة كلها ، فكم عاصفة رملية هبّت على المكان الذي كانت تقطنه
إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ
فأخفت حضارتهم ؟ لا بد إذن من حفريات على مستوى عميق جدّا لنعثر على تلك الحضارة ؛ لأننا نعلم ونرى أن كل الكشوف الأثرية تحتاج أن نحفر لها ؛ لأن الرمال تتراكم فوق
هامش
( 1 ) الأحقاف : هي صحراء مترامية الأطراف بظاهر بلاد اليمن كانت عاد تنزل بها . والأحقاف في اللغة هي : ما اعوج من الرمال واستطال .