تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5276

مساهمون:

ص٥٢٧٦
الآثار . بل إننا نرى البيوت القديمة في القرى ، لا بد أن تنزل لها بدرجة أو درجتين لتدخل إليها من الباب ؛ لأن العوامل الطبيعية والرصف وغير ذلك تزيد من علو الطريق . فإذا كان هذا هو عمل الرياح العادية في وقت قصير ، فما بالك بالأعاصير في أزمان طويلة ؟ وأنت إذا سافرت وأغلقت نوافذ مسكنك إغلاقا محكما ، وعدت بعد شهر واحد تجد الأثاث مغطى بطبقة من التراب ، فإن غبت عاما وجدت كمية كثيفة من التراب ، هذا بالنسبة لبيت محكم الإغلاق ، فما بالك بحضارة معرضة لكل هذه الظواهر الطبيعية ، وتستر كل شهر بطبقة جديدة كثيفة من التراب ؟ ويقول سبحانه :
كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً
أي : أن حضارتهم أكبر من حضارتنا ؛ لأن الحضارة كلما كانت متقدمة كانت الأمة قوية ، وكلما تأخر شعب حضاريّا كان ضعيفا . إذن : فالذين من قبلنا كانوا أكثر حضارة وأكثر أموالا وأولادا . ولسائل أن يسأل : كيف تكون لهم كثرة أولاد والعالم يزداد عددا كل عام ، وكيف تكون لهم كثرة أموال ونحن نكتشف كنوز الأرض جيلا بعد جيل ؟ نقول : لا تأخذ الكثرة على أنها كثرة عددية ، بل خذها بنسبتها ؛ لأنك إذا جئت بمائة شخص ووضعتهم في حجرة ، يقال عنهم : « كثير » . فإذا أخذت كل واحد منهم ووضعته في مكان بعيد عن الآخر يكون العدد قليلا . وكان العالم في الماضي مسكونا بأماكن محدودة ، بدليل أننا اكتشفنا قارات وأماكن لم يكن يعرفها أحد . إذن : فالكثرة هنا بالنسبة للحيز ، وهم في حيزهم الذي يعيشون فيه كانوا كثرة ، وبالأموال التي كانت بين أيديهم بعددهم المحدود كانوا أكثر منكم أموالا بعددكم الكبير ، أي أن نصيب الفرد كان أكبر ، وكذلك الأولاد .