فيها بعد الحساب مباشرة ، بل سيدخل النار أولا بقدر معاصيه . فقول الحق سبحانه وتعالى :
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ
ينطبق على عصاة المؤمنين الذين سيأخذون حظهم من العذاب أولا على قدر سيئاتهم ، ثم بعد ذلك يدخلون الجنة « 1 » .
وقول الحق عن خلود المنافقين في النار :
هِيَ حَسْبُهُمْ
أي تكفيهم ، كأن يكون هناك إنسان شرير وأنت تريد أن تؤدبه ، فيأتي إنسان قوى ويقول لك : اتركه لي ، أنا وحدى كفيل أن أؤدبه ، فتقول : هذا حسبه ، أي يكفيه هذا ؛ ليتم التأديب المطلوب . كذلك النار ، فسبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنها تكفيهم ، أي : أن ما سيعانونه فيها من ألم وعذاب كاف جدّا لمجازاتهم على ما فعلوه من سيئات .
ثم يقول الحق :
وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ
أي : طردهم من رحمته ومن طاعته فلا يقبل لهم توبة ولا عودة ؛ لأن مكان التوبة هو الدنيا . وأما ما بعد الموت والآخرة ، فلا محل فيهما لتوبة ولا رجوع عن معصية ؛ لأن زمان ذلك قد انتهى . لذلك فالعذاب لمن لم يتب في الدنيا هو عذاب مقيم في الآخرة .
وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ
وقد وصف الحق عذاب جهنم مرة بأنه عذاب أليم ، ومرة بأنه عذاب مهين ، ومرة بأنه عذاب مقيم ؛ لأنه يريدنا أن نعلم أن كل أنواع العذاب ستصيب أهل جهنم ، فإن كان الإنسان متجلّدا له
هامش
( 1 ) قال ابن كثير في تفسيره ( 2 / 460 ) : « هذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة » . وقد أضاف الإمام أبو يحيى الأنصاري معنى جميلا في كتابه : « فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن » ص 195 فقال : « هو استثناء من الخلود في عذاب أهل النار ، ومن الخلود في نعيم أهل الجنة ؛ لأن أهل النار لا يخلدون في عذابها وحده ، بل يعذبون بالزمهرير ، وبأنواع أخر من العذاب ، وبما هو أشد من ذلك ، وهو سخط اللّه عليهم . وأهل الجنة لا يخلدون في نعيمها وحده ، بل ينعمون بالرضوان ، والنظر إلى وجهه الكريم وغير ذلك » .