يأخذ العطاءين هو السعيد ، يأخذ عطاء الربوبية فيستغل أسباب الحياة فيعطيه اللّه خير الدنيا ، ويأخذ عطاء الألوهية بأن يجعل حياته وفقا لمنهج اللّه ، فيعطيه اللّه النعيم في الآخرة .
والأسباب في الدنيا لا تفرق بين مؤمن وكافر ، فالشمس تشرق على المؤمن والكافر ، والمطر ينزل على الطائع والعاصي ؛ لأن هذا عطاء ربوبية . من أحسن استخدامه أعطاه بصرف النظر عن الطاعة أو المعصية .
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
( 23 ) [ الفرقان ]
لماذا ؟ لأنك عملت للدنيا وحدها . . وكنت تعمل ليقال إنك مخترع أو مكتشف . . أو لتحصل على الأموال أو الأوسمة . . أو النفوذ والجاه في الدنيا ، ولكنك لم تكن تعمل وفي بالك اللّه .
وبعض الناس يأتي ليقول لك : هل الذي اكتشف علاجا لميكروب كان يفتك بالبشر ، أو اكتشف الكهرباء أو اكتشف كذا مما أسعد البشرية كلها ، أيكون هذا كافرا ويعذّب في النار ؟
نقول له : نعم ؛ لأنه فعل هذا وليس في باله اللّه . . وإنما فعله وفي باله الحصول على المجد أو المال أو النفوذ في الأرض ؛ ولذلك أعطاه اللّه ، ما عمل من أجله ، فأصبح له ثروة طائلة وتاريخ يدرس في المدارس ، وأعطوه النياشين وأطلقوا اسمه على الشوارع والميادين .
فما دام قد عمل للدنيا فإن اللّه سبحانه وتعالى يعطيه أجره في الدنيا ، ولكن الذي عمل وفي باله اللّه يأخذ من الدنيا بالأسباب ، ولكنه يأخذ في الآخرة من المسبب مباشرة ؟ فالإنسان قد ارتقى حضاريّا ، حتى إنك الآن في بعض الدول المتقدمة تضغط زرا يعطى لك القهوة أو الشاى ،