وبعضهم يقول : كيف ينادى مؤمنين ثم يقول لهم : « آمنوا » ؟ ، وهؤلاء المستفهمون لم يلتفتوا إلى أن الحق حين يكلم المؤمنين يعلم أنهم مؤمنون بالفعل ، ولكن الأغيار في الاختيار قد تدعوهم إلى أن يتراخى البعض منهم عن مطلوبات الإيمان . و « آمنوا » الثانية معناها : أنشئوا دائما إيمانا جديدا أي مستمرا يتصل بالإيمان الحاضر والإيمان المستقبل ، ليدوم لكم الإيمان .
فإذا كان ما بعد
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أمرا بمطلوب الإيمان ، من حكم شرعي ، أو عظة أخلاقية . يكون أمرها واقعا ، والمعنى : يا من آمنتم بي إلها قادرا حكيما ، ثقوا في كل ما آمركم به لأنى لا آمركم بشئ فيه مصلحة لي ؛ لأن صفات الكمال لي أزلية ، فخلقى لكم لم ينشئ صفة كمال ، فإن كلفتكم بشئ ، فتكليفى لكم يعود عليكم بالنفع والمصلحة لكم ، وضربنا المثل - ولله المثل الأعلى منزّه عن كل مثل - أنت تذهب إلى الطبيب بعد أن تتشاور مع أهلك وزملائك وتكون واثقا بأن هذا هو الطبيب الذي ينفع في هذه الحالة التي تشكو منها ، وساعة تذهب إليه يشخص لك المرض ويكتب لك الدواء ، وسواء استخدمت الدواء أم لم تستخدمه فأنت حر وأثر ذلك يعود عليك وعدم استعمالك الدواء لن يضر الطبيب شيئا ، بل أنت الذي تضر نفسك ، كذلك منهج اللّه الذي جعله لصلاحية حركة الحياة . إن اتبعته وطبقته تنفع نفسك ، وإن تركته فلم تطبقه فسوف تضر نفسك ، ولذلك يقول المولى سبحانه وتعالى :
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
( من الآية 29 سورة الكهف )
إذن فالاختيار لك واللّه سبحانه وتعالى قد خلقك ، وخلق الكون الذي يخدمك من قبل أن توجد ، وأنت طارئ على هذا الكون ، طارئ على الشمس وعلى القمر ، وعلى الأرض ، وعلى الجبال ، وعلى الماء وعلى أي