تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4607

مساهمون:

ص٤٦٠٧
شئ في هذا الوجود . والذي خلق ما سبقك لا بد أن تكون له صفات الكمال المطلق . فهو سبحانه وتعالى قد خلق كل شئ بالحكمة والنظام ، وما دامت له سبحانه وتعالى صفات الكمال المطلق المستوعبة ، فهو لا يطلب منك بالتكاليف أن تنشىء له صفة كمال جديدة ، وهو غنى عنك . فإذا اقتنعت بالإيمان فلمصلحتك أنت ، ولم يكلفك إلا بالأحكام التي تصلح من حالك . وحيثية كل حكم هو تصديره ب
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا .
إياك أن تبحث عن علة في الحكم ؛ لأنك لو ذهبت إلى الحكم لعلته ، لاشتركت مع غير المؤمنين ، فالمؤمن - مثلا - حين سمع الأمر باجتناب الخمر ، امتثل للحكم لأنه صادر من اللّه ، من بعد ذلك عرف غير المؤمنين - بالتحليل العلمي - أن الخمر ضارة فامتنعوا عنها ، فهل امتناعهم هو امتناع إيماني ؟ لا . إذن فإن المؤمن يأخذ الأمر من اللّه عز وجل لا لعلة الأمر بل لمجرد أنه قد صدر من اللّه ؛ لذلك يمتثل للأمر وينفذه . . فالمسلم يمتثل لأوامر اللّه ويؤدى العمل الصالح دون بحث أو تساؤل عن علته ، فحين يقال - على سبيل المثال - إن من فوائد الصيام أن يذوق الغنى ألم الجوع ، ويعطف على الفقير ، حين أسمع من يقول ذلك أقول له : قولك صحيح لأن فيه لمسة من فهم ، لكن ماذا عن صوم الفقير الذي ليس عنده ما يعطيه لغيره ، ألا يصوم أيضا ؟ . إذن المؤمن يصوم لأن الأمر جاء من اللّه بالصيام . ومعظم أحكام اللّه تأتى مسبوقة بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ،
أي : يا من آمنتم بي إلها أقبلوا علىّ ، فإنكم إن بحثتم عن العلة ، ثم نفذتم الحكم لعلته فأنتم غير مؤمنين بالإله الآمر والمشرع ، لكنكم مؤمنون بعلة المأمور به ، واللّه يريدك أن ترضخ له فقط ، ولذلك يأمرك بأوامر وينهاك بنواه ، فأنت - مثلا - حين تحج بيت اللّه الحرام ، تسلم على الحجر الأسود بأمر من اللّه ، وقد تتيح لك الظروف أن تقبّل هذا