اللباس مما يذاق ، ومن قول الحق تبارك وتعالى نفهم أن الإذاقة هي الإحساس الشديد بالمطعوم ، واللباس - كما نعلم - يعم البدن ، فكأن الإذاقة تتعدى إلى كل البدن ، فالأنامل تذوق ، والرجل تذوق ، والصدر يذوق ، والرقبة تذوق ؛ وكأن الجوع قد صار محيطا بالإنسان كله . وهنا يقول المولى سبحانه وتعالى :
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ .
والذوق غير البلع والشبع ، ونرى ذلك في عالمنا السّلعى والتجاري ؛ فساعة تشترى - على سبيل المثال - جوافة ، أو بلحا أو تينا ، يقول لك البائع : إنها فاكهة حلوة ، ذق منها ، ولا يقول لك كل منها واشبع ، إنه يطلب منك أن تجرب طعم الفاكهة فقط ثم تشترى لتأكل بعد ذلك حسب رغبتك وطاقتك . وما نراه في الدنيا هو مجرد ذوق ينطبق عليه المثل الريفي " على لساني ولا تنسانى " ، والعذاب الذي رآه الكفار على أيدي المؤمنين مجرد ذوق هيّن جدّا بالنسبة لما سوف يرونه في الآخرة ، من العقاب الشديد والعذاب الأليم ، وسيأتي الشبع من العذاب في الآخرة ، لماذا ؟
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ .
وهذا اللون من إذاقة الذل والإهانة في الدنيا لهؤلاء الكفار المعاندين ، مجرد نموذج بسيط لشدة عقاب اللّه على الكفر ، وفي يوم القيامة يطبق عليهم القانون الواضح في قوله سبحانه وتعالى :
وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ .
إذن فالهزيمة لمعسكر الكفر والذلة هي مجرد نموذج ذوق هين لما سوف يحدث لهم يوم القيامة من العذاب الأليم والحق سبحانه وتعالى هو القائل :
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ
( من الآية 47 سورة الطور )