تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4580

مساهمون:

ص٤٥٨٠
لأنه سبحانه خلق الخلق ويعرف أنهم أهل أغيار ، ويعلم أن هناك من أسرفوا على أنفسهم ، ويحاولون فعل الخيرات لأنهم يؤمنون بأن الحسنات يذهبن السيئات ، وسبحانه علمنا أن معالم الدين تأخذ حظها من المسرفين على أنفسهم ، لأن من لم يسرف على نفسه تجده يطيع اللّه طاعة هادئة رتيبة فليس وراءه ما يلهب ظهره . أما من عملوا السيئات فإن هذه السيئات تقض مضاجعهم . والمسرف على نفسه لحظة الإسراف يظن أنه أخذ من اللّه شيئا واحدا من خلف منهجه ، فيوضح له ربنا : إياك أن تظن أن هناك من يخدع اللّه . فأنت ستعمل كثيرا وبشوق لخدمة منهج اللّه ، ونجد المسرف على نفسه لحظة الإفاقة والتوبة ، وهو يندفع إلى فعل الخيرات . مصداقا لقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : إن الله تعالى ليؤيد الدين بالرجل الفاجر « 1 » . لأن فجر الفاجر يتجسد أمامه ويريه سوء المصير ، فيندفع إلى فعل الخيرات ليمحو السيئات ، أما من لم يخطئ فنجده هادئ القلب ، مطمئن النفس ، لا يلهب ظهره شئ .
لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
( من الآية 4 سورة الأنفال ) وهل هذا الرزق ناشىء من كريم ؟ الجواب لا ؛ لأن الكرم تعدى من الكريم الأصيل ، إلى أن صار الرزق نفسه كريما ، وكأن هذا الرزق يتعشق صاحبه ؛ لأن ربنا ساعة يعطى إنسانا نعمة ، ثم يستعملها العبد في الطاعة ، تحس النعمة أنها مسرورة بالذهاب إلى هذا الإنسان لأنه استعملها في الطاعة وفيما يرضى اللّه عز وجل . ولك أن تعرف أن الرزق أعلم بمكانك منك بمكانه . فلا أحد يعرف عنوان الرزق الذي قدره اللّه له ، لكن الرزق يعرف عنوان صاحبه ، ويبحث عنه في كل مكان إلى
هامش
( 1 ) جامع الأحاديث للسيوطي ح 2 ص 325 رواه الطبراني .