وقد يكون الإنسان من هؤلاء - على سبيل المثال - خارجا من البيت وسألته زوجته : ماذا نطبخ اليوم ؟ ويجيبها : لنقض هذا اليوم بما تبقى عندنا من الأمس .
وعندما يعود قد يفاجأ بأن شقيقه قد قدم من الريف ، وأحضر له هدية من البط ، والقشدة والفطائر . فتسأله زوجته : أكنت تعلم بمجئ أخيك ؟ فيقول : لم أكن أعلم ، وهذا مجرد مثال ، لكن عطاءات الصفاء تكون أكثر من ذلك ماديا ومعنويا ، ومن يستمر في العبادة ويزيد عليها ويؤدى كل ذلك بحقه ، سيزيد عطاء اللّه له ؛ لأن اللّه لا يمل عطاء أهل الصفاء أبدا . ومن يجرب مثل هذه العبادة ويزيدها سيجد عطاء اللّه وهو يزيد .
ودائما أضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى وهو منزه سبحانه وتعالى عن التشبيه لنفترض أن إنسانا أراد أن يسافر من القاهرة إلى الإسكندرية ، وسأل إنسانا آخر ، فقال له : إن ذهبت من الطريق الفلاني ستجد استراحة طيبة ، عكس الطريق الفلاني .
ويتبع المسافر نصائح من أرشده ، فيجده صادقا ، فيرتاح من بعد ذلك لرأيه ، وكذلك أهل الصفاء ، هم أهل العطاء ، وعلى قدر صفائهم يكون هذا العطاء .
والذي يشجع الناس الذين يبالغون في التعبد هو هذا الإشراق ، وهناك من يصف الواحد منهم بأنه مجذوب وإن من يطلق على المتعبد الزاهد هذا الوصف يرى المنزلة العالية وهي تشد هذا المتعبد إليها ، وهو من جهة أخرى ينظر هذا الزاهد إلى من يتعثرون في طلب الدنيا ، ويصفهم بينه وبين نفسه بأنهم من « الغلابة » ويدعو لهم .
وأقول لمن يرى واحدا من هؤلاء : لا شأن لك بأي إنسان من هؤلاء وإياك أن تتعرض لهم واتركهم في حالهم ، ما دام الواحد منهم لا يسألك شيئا . ( لهم درجات عند ربهم ) .
والدرجات عند البشر هي ارتقاءات يسعى إليها ، فما بالنا بالدرجات التي عند الرب ؟ وما دام اللّه سبحانه وتعالى قد وعدهم بالدرجات العالية عنده فقد ضمنوا المغفرة ؛ لأن الواحد منهم سيطهر بالمغفرة ، وجاء الحق بعطاء الدرجات قبل المغفرة
تفسير الشعراوى — صفحة 4579
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٤٥٧٩