وكيف يكون الإنسان عزيزا وذليلا في الوقت نفسه ؟ وكيف يوصف الشخص نفسه بأنه عزيز وذليل ؟ وكيف يمكن أن يجتمع النقيضان في شخص واحد ؟ لكنك تقرأ ما يطمئنك في قول الحق :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ . .
( 29 ) [ الفتح ]
لقد وصف الحق سبحانه المؤمنين بأنهم أشداء ، ووصفهم أيضا بأنهم رحماء ، ولكي تفهم هذا المعنى عليك أن تعلم أن المواقف الإيمانية هي التي تحدد مشاعر المؤمن ، ولا تحددها طباعه الخاصة والشخصية ، وهو يكيّف مواقفه حسب الموقف الإيمانى وما يتطلبه ، فهو شديد ورحيم ، وذليل وعزيز .
ونعود إلى غزوة تبوك التي نزلت فيها الآية التي نتناولها بخواطرنا وإلى السؤال : كيف يحارب المسلمون الروم ، وقد حزنوا يوم هزيمة الروم من الفرس ؟ ونقول : لقد حزن المسلمون لأن إلحادا ينكر الألوهية قد انتصر على إيمان مرتبط برسالات السماء ؛ ولأن الروم - وهم نصارى - مرتبطون برسالات السماء . ولذلك فهم أقرب إلى قلوب المؤمنين من الكفار ، إذن : فالمسألة قد أخذت من ناحية الوجود الإلهى . أما في غزوة تبوك فقد أخذت من ناحية قبول المنهج الناسخ ومنع الدعوة له ، ولهذا تحول الموقف في غزوة تبوك إلى عداء إيماني ، وهذا هو السبب الذي أدّى إلى الحرب « 1 » .
هامش
( 1 ) قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ( 8 / 111 ) : « كان السبب فيها ما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره قالوا : بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعا ، وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب ، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء ، فندب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الناس إلى الخروج ، وأعلمهم بجهة غزوهم » .