تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5117

مساهمون:

ص٥١١٧
لماذا ؟ لأن كثيرا من الناس ينسون الآخرة ، ويعتقدون أن هذه الحياة الدنيا هي كل شئ ، ولهذا تجد الإنسان منهم يريد أن يحتاط لنفسه ، فإذا أخذ ما يكفيه يريد أن يحتاط لأولاده ، فإذا كان عنده ما يكفيه هو وأولاده يريد أن يحتاط لأحفاده . ولكن المؤمن الحق هو من يعرف أن الحياة الدنيا طريق العبور إلى الآخرة ، وأنها رحلة قصيرة تنتهى ، فلا يهتم بهذا اللون من الاحتياط ، ولكن الذي يحرص على عملية الاحتياط هذه هو من يظن أن الحياة الدنيا هي الغاية من الخلق ، ولا يتنبه إلى أنها وسيلة للآخرة . إننا نجد أولئك الذين يسرفون على أنفسهم ويتبعون شهواتهم وهم يحاولون أن يأخذوا من الدنيا كل شئ يمكن أن تعطيه لهم حلالا أو حراما ، وهذا واضح في سلوكهم الدنيوي . أما المؤمن فهو كالطالب الذي يجدّ في دروسه ويجتهد ويستيقظ مبكرا ويذهب إلى المدرسة ، ويظل ساهرا ليذاكر ويحرم نفسه من متع كثيرة ؛ لأنه بفطنته وذكائه يعرف أن هذا حرمان مؤقت . وهو إنما يفعل ذلك لفترة قصيرة ليستريح بقية العمر ، ويحصل على المركز المرموق والدخل المرتفع إلى آخر ما يمكن أن يعطيه له المستقبل . أما المسرف على نفسه فهو كالطالب الذي لا يذهب إلى المدرسة ويقضى وقته في اللعب والاستمتاع ، وهو بمثل هذا السلوك كان قصير النظر ، وأعطى لنفسه شهوة عاجلة ليظل في معاناة بقية حياته . إذن : فكل من الطالبين أعطى نفسه ما تريد ؛ الأول : أعطى نفسه مستقبلا مريحا ممتدّا ، وصار قمة من قمم المجتمع ، والثاني : أعطى نفسه متعة عاجلة زائلة ، ثم صار بعد سنوات قليلة صعلوكا في المجتمع لا يساوى شيئا .