أمامه ، وكل شئ حوله يحقق له رغباته ، بل إنه يعيش في درجة الحرارة التي يريدها داخل قصره ، وعنده أفخر أنواع الطعام والشراب ، وإذا أراد أن ينتقل من مكان إلى آخر ؛ ضغط على زر فيتحرك به الكرسي إلى المكان الذي يريده ، وكل من حوله يطيعونه طاعة عمياء ، فكل رغباته أوامر ، وحياته تشبه الحلم الجميل .
إذا عاش إنسان في هذا الجو وانبهر بهذه النعم كلها يستوقفه رب العزة سبحانه ويوضح له : لا تنبهر ، فهذا المتاع الذي تعيش فيه بالنسبة للآخرة قليل .
فإذا قرأ الناس أو سمعوا أو شاهدوا ما يعيش فيه هذا الإنسان من متعة وانبهروا بها ، يوضح لهم اللّه : لا تنبهروا ولا يأخذكم العجب ، فكل هذا الذي ترونه أمامكم بالنسبة لمتاع الآخرة قليل .
إذن : فقوله سبحانه
إِلَّا قَلِيلٌ
يدل على أن فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تحب القليل من النعم بل تريد الكثير ، ولهذا نجد الحق سبحانه وتعالى ينفّر عباده من أن تفتنهم نعم الدنيا مهما بلغت ، فيوضح لهم :
لا تظنوا أن هذه النعم كثيرة ، بل إنها نعم قليلة بالنسبة لما ينتظركم في الآخرة ، فإذا كان الإنسان بفطرته يحب كثرة النعم ، ففي هذه الحالة لن تفتنه نعم الدنيا ، بل سوف يطلب نعم الآخرة . ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول :
« لو أن ابن آدم أعطى واديا ملآن من ذهب أحبّ إليه ثانيا ، ولو أعطى ثانيا أحب إليه ثالثا » « 1 »
أي : أن الإنسان الذي امتلك واديين يريد أن يحتفظ بالواديين كما هما ويطمع في امتلاك الوادي الثالث ، رغم أنه قد لا يعيش لينفق مقدار واد واحد . فالإنسان بطبعه لا يحب القليل من النعم بل يطلب الكثير ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه ( 6438 ) وأبو نعيم في حلية الأولياء ( 1 / 337 ) عن عبد اللّه بن الزبير .