لك ما أعطيت ؛ لأن عنده كنوز السماوات والأرض ؛ وهو سبحانه قادر على أن يضاعف لك مهما كانت قيمة عطائك . فإن فضّلت الحياة الدنيا على الآخرة ، فأنت تقيس بمقاييس الكمال عندك وهي مقاييس ساقطة وهابطة ، ولو كنت تملك المقياس الصحيح لعرفت أن الذي يحقق لك النفع الأكبر هو أن تعطى وتعمل طلبا للآخرة وليس للدنيا . ولذلك فالحق سبحانه يقول هنا :
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
أي : أنكم أردتم الحياة الدنيا بدل الآخرة . وهذه مقارنة غير عاقلة وغير حكيمة .
وكلمة
مِنَ
تدل على البدل في قوله :
بِالْحَياةِ الدُّنْيا
ومادة البدل والاستبدال البيع والشراء ، ونعرف أن الباء تدخل على المتروك ، فأنت تقول : اشتريت الشئ بكذا درهم ، أي : تركت الدراهم مقابل شرائك الشئ ، كأن هؤلاء الراضين بالحياة الدنيا قد أخذوا الدنيا بدلا من الآخرة ، وهذه صفقة تخلو من العقل والحكمة .
وبعد أن استنكر اللّه سبحانه وتعالى على المؤمنين أن يرضوا بالحياة الدنيا ويتركوا الآخرة يقول سبحانه :
فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
والمتاع : هو ما يستمتع به . والإنسان لا يستطيع أن يوقن أنه سيستمتع بالحياة ، وهذا أمر مطعون فيه ، فليس كل كائن حي مستمتعا بالحياة ، هناك أشقياء وهناك تعساء ، وهناك من حياتهم كلها تعب ، وحتى أولئك المستمتعون بالحياة في الحاضر ، من يدريهم ماذا يحمل المستقبل لهم ؟ ألا يمكن أن يكون استمتاعهم هذا وقتيا ؟ ألا يمكن أن يأتيهم ظرف من الظروف ؛ أو قدر من الأقدار يملأ حياتهم بالشقاء ؟
إننا نجد العقلاء - حين يرون في نعمة اللّه عليهم ما يكدر حياتهم - يشكرون اللّه ، بينما نجد الإنسان السطحي التفكير والفهم يستاء وينفعل ويزيد الموقف معاناة . العاقل - إذن - يعرف أن الإنسان يعيش في دنيا