إذن : فقوله تعالى :
اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
أي : تكلفتم الثقل بدون حقيقة ، فأنتم عندكم قدرة على القتال ولكنكم تظاهرتم بأن لا قدرة لكم .
وهكذا نعرف أن الموقف يقتضى النفرة ليواجهوا الكفر ؛ لأن المنهج الذي ارتضوه لأنفسهم والتزموا به يحقق السلامة والأمن والاطمئنان لهم ولغيرهم ، وكأن التثاقل إلى الأرض له مقابل ، فالنفرة تكون في سبيل اللّه ، والمقابل في سبيل الشيطان أو في سبيل شهوات النفس .
لقد تحدث العلماء في المسائل التي تجعل الإنسان يقبل على المعصية ، وهي النفس التي تحدّث الإنسان بشئ ، فالإنسان يقبل على المعصية بهذين العاملين فقط . فما الفرق بين الاثنين ؟ وكيف يتعرف الإنسان على ذلك ؟
قال العلماء : إذا كانت النفس تلحّ عليك أن تفعل معصية بعينها بحيث إذا صرفتها عنها عادت تلحّ عليك لاقتراف نفس المعصية لتحقق متعة عاجلة ، فهذا إلحاح من النفس الأمّارة بالسوء .
ولكن الشيطان لا يريد منك ذلك ، إنه يريدك مخالفا لمنهج اللّه على أي لون ، فإذا استعصى عليه أن يجذبك إلى المال الحرام ، فهو يزين لك شهوة النساء ، فإذا فشل جاء من ناحية الخمر . إذن : فهو يريدك عاصيا بأي معصية ، ولكن النفس تريدك عاصيا بنفس المعصية التي تشتهيها . وهذا هو الفرق .
وهكذا نعرف أن هناك واقعين ، واقعا يدعو المؤمنين إلى قتال الكفار الذين يفسدون منهج اللّه في الأرض ، وواقعا يدعوهم إلى أن يتثاقلوا عن هذا القتال ، وذلك إما بسبب حب الدنيا لتحقيق شهوة النفس أو إغراء الشيطان ، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
والرضا هو حب القلب ، فيقال : فلان راض لأنه مسرور بالحال الذي هو فيه .