تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5110

مساهمون:

ص٥١١٠
يكون صحيحا ، ولكنه سبحانه يأخذ منك هذا المال فيزيده لك وينميه « 1 » فإذا بالجنيه الواحد قد تضاعف إلى سبعمائة مثل ، ثم تضاعف إلى ما شاء اللّه ، كما أن هذا الحكم الذي يأخذ منك الآن وأنت غنى ، هو بذاته الذي سوف يعطيك إن افتقرت ولجأت إلى الناس . فإذا كان الحكم الذي سيأخذ هو الذي سيعطى تكون هذه عدالة وتأمينا ضد الأغيار ، وعليك أن تقارن الصفقة النفعية بمقابلها ، وساعة تعطى أنت الذي لا يملك ، لا بد أن تتذكر أنه قد يأتي عليك يوم لا تملك فيه . وكلمة دنيا بالنسبة لحياتنا أعطتنا الوصف الطبيعي الذي ينطبق عليها ؛ لأن " الدنيا " مقابلها " العليا " . والحياة العليا تكون في الآخرة . فإذا كانت هذه هي الحياة الدنيا . فلما ذا تربط نفسك بالأدنى إلا أن يكون ذلك خورا في العزيمة ؟ والمثال للقوة الإيمانية هو : سيدنا عمر بن عبد العزيز رضى اللّه عنه ، وكان قبل أن يصبح خليفة المؤمنين يرتدى أفخر الثياب ويتعطر بأجمل العطور ، وكان الناس يدفعون أموالا لمن يغسل ثياب عمر بن عبد العزيز ليدخلوا ثيابهم مع ثيابه حتى تمتلئ عطرا . وذلك من غزارة وجود العطر الذي كان يضعه عمر بن عبد العزيز على ثيابه فتخرج كل الثياب مليئة بالعطر . وعندما أصبح عمر بن عبد العزيز خليفة ، كانوا يأتونه بالثوب الخشن الذي كان يرفض ارتداءه قبل الخلافة ، فيرفضه ويقول : هاتوا أخشن منه ، وامتنع عن العطر ، أي : أن معاييره قد تغيرت وليس في هذا أدنى تناقض ، بل هو علو في الحياة ، ولذلك قال : اشتاقت نفسي إلى الإمارة فقلت لها : اقعدى يا نفس ، فلما نلتها اشتاقت نفسي إلى الخلافة فنهيتها عن ذلك ، فلما نلتها ؛ أي نال الخلافة ، اشتاقت نفسي إلى الجنة فسلكت كل طريق يؤدى إليها « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر إلى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها اللّه تعالى بيمينه ، فيربيها كما يربى أحدكم فلوه ( مهره ) أو قلوصه ( الفتية من الإبل ) حتى تكون كالجبل أو أعظم » وهو حديث متفق عليه من حديث أبي هريرة ، أخرجه البخاري ( 1410 ) ومسلم ( 1014 ) . ( 2 ) أورد هذا الأثر أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء ( 5 / 331 ) .