تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5111

مساهمون:

ص٥١١١
وهكذا نعرف أن سلوكه رضى اللّه عنه لم يكن في تناقض بل تعلية للصفقة الإيمانية . كان دائما في علو يريد أن يواصله ، فقد اشتاق أولا إلى الإمارة ، فلما تحققت أراد أن يعلو فاشتاق للخلافة ، فلما تحققت أراد أن يعلو فاشتاق إلى الجنة ، إذن : فهو دائما في علوّ . وأقول : ليس في سلوكه أدنى تناقض ؛ لأن علماء النفس يفسرون التناقض في السلوك البشرى على أنه اختلاف في المقارنة ، فالإنسان يقارن بشئ ثم يقارن بشئ آخر وهكذا ؛ لأن كل شئ في الدنيا نسبى . ومعنى النسبية أن ينسب الشئ لما حوله ، فإذا قلت : إنني أسكن فوق فلان ، فأنت في نفس الوقت تسكن تحت فلان الذي يعيش في الطابق الذي يعلوك . إذن : فأنت فوق فلان وتحت فلان في نفس الوقت ، فلا تأخذ نقطة وتغفل عن الأخرى ، وهذا اسمه " معنى إضافى " أي : أن المعاني لا تتحقق بذاتها ، ولكن بالنسبة إلى شئ تقاس به ، وكذلك المقاييس بين الأشياء يجب أن نقيسها بالأمور التي تصعد لك القيمة . فأنت إذا نظرت إلى الدنيا ؛ تجد أن الحق سبحانه أسماها : دنيا ولم يجد اسما أقلّ من هذا ليسميها به ، لماذا ؟ لأنك تتنعم في الدنيا على قدر وجودك فيها ، أي على قدر عمرك ، وهو مهما زاد وطال فهو سنوات معدودة ، وقد يكون متاعك منها حتى سنّ الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين . أو أكثر من ذلك أو أقل . ومتاعك فيها بما تحققه قدراتك ، فالذي عنده ألف جنيه يتمتع على قدرها ، والذي عنده عدة ألوف متاعه على قدرها ، وصاحب الملايين متاعه أكبر . إذن : فكل واحد يتمتع بقدر ما عنده من مال . وحتى إن وصل الإنسان إلى أعلى متاع في الدنيا ؛ متاع صاحب الملايين ، فهذه الملايين إما أن تزول عن صاحبها ، وإما أن يترك هو هذه الملايين بالموت . وهذه تتحقق وهذه تتحقق . إذن : فنعمة الدنيا إما أن تنخلع منك أو تنخلع أنت منها .