ومعنى تثاقل المؤمنين عن القتال في سبيل اللّه ، أن هناك شيئا قد غلب شيئا آخر في داخل نفوسهم ، فالرضا بالحياة الدنيا قد تغلّب على حب الآخرة . ولكن المنطق الإيمانى يقول : إنه إذا كان هناك أمر آخر غير الدنيا ، أو حياة أخرى غير حياتنا الدنيوية ، فلابد أن نقارن بين ما تعطيه الدنيا وبين ما تعطيه الآخرة ، فإذا رضينا بما تقدمه لنا هذه الحياة المادية ، يكون المؤمن بلا طموح وبلا ذكاء ؛ لأنه رضى بمتاع قليل زائل وترك متاعا أبديا ممتدا بقدرة اللّه .
وأنت لو نظرت إلى الدنيا نظرة فاحصة ، تجد أنها متغيرة متبدلة ، فالصحيح يصبح مريضا ، والغنى يصبح فقيرا ، والقوى يصبح ضعيفا .
إذن : فمتاع الدنيا متغير ولا عصمة لك فيه ، وأنت لا تستطيع أن تعصم نفسك من المرض أو من الضعف أو من الفقر ؛ لأن هذه كلها أغيار تحكمك ولا تحكمها أنت ؛ تقهرك ولا تستطيع أنت أن تقهرها . فإن رضيت بمتاع الدنيا اليوم فأنت لا تضمن استمراره إلى غد .
ولهذا ينبغي ألا تؤخر تنفيذ ما يكلفك به اللّه ؛ لأنك الآن تستطيع أن تؤديه ، لكن أنت لا تضمن إن كنت قادرا غدا أم لا « 1 » . كذلك لا تأخذ التكليف على أنه قد يسلبك حريتك أو مالك ، بل هو يسلبك ويعطيك في نفس الوقت . فإذا أمر اللّه سبحانه بأن تخرج الزكاة ، قد تعتقد أن هذا ينقص مالك « 2 » ، أو تقول : هذه غرامة . نقول : إن هذا في ظاهر الأمر قد
هامش
( 1 ) عن ابن عباس قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لرجل وهو يعظه : « اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك » أخرجه الحاكم في مستدركه ( 4 / 306 ) وصححه على شرط الشيخين ، وأقره الذهبي . وقد أخرجه ابن المبارك في الزهد ( 2 ) من حديث عمرو بن ميمون مرسلا بسند صحيح ، قاله ابن حجر في الفتح ( 11 / 235 ) .
( 2 ) عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد اللّه عبدا بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه اللّه » أخرجه مسلم ( 2588 ) وأحمد في مسنده ( 2 / 235 ، 386 ) والترمذي في سننه ( 2029 ) .