أمر متوقع وتقتضيه الحال ؛ لأن المؤمنين حين يقاتلون الكفار إنما يدخلون شيئا من اليقين على أهل الاستقامة ، فأهل الاستقامة إن لم يجدوا من يضرب على أيدي الكافرين فقد ينحرف منهم من تراوده نفسه على الانحراف ، أما إن وجد من يضرب على أيدي الكفار ، فإنه بفعله هذا يربب في المؤمن إيمانه ؛ لأنه يرى عدوه وهو يتلقى النكال . كأن تقول للتلميذ : ما لك تهمل في مذاكرتك وقد قرب الامتحان ؟ أي : أن المفروض أنه إذا قرب الامتحان لا بد أن يجتهد الطالب في المذاكرة . فإن أهمل التلميذ عمله فنحن نتعجب من سلوكه ؛ لأنه لا يتفق مع ما كان يجب أن يحدث . وبذلك نستنكر أن يحدث مثل هذا الإهمال ، مثلما نستنكر ونتعجب من مريض يترك الدواء بينما هو يتألم .
ويتعجب الحق سبحانه هنا من تثاقل المؤمنين حين يدعون إلى القتال ؛ لأن قوة الإيمان تدعو دائما إلى أن يكون هناك استعداد مستمر للقتال ، وهذا الاستعداد يخيف الكفار ويمنع عدوانهم واستهتارهم بالمؤمنين أولا ، كما أنه ثانيا يجعل المؤمنين قادرين على الرد والردع في أي وقت . ويعطى ثالثا شيئا من اليقين للمجتمع المؤمن عندما يرى أن هناك من يضرب على يد الكافرين إذا استهانوا بمجتمع الإيمان وحاولوا أن يستذلوا المؤمنين .
إذن : فلكى يبقى المجتمع المؤمن قويا وآمنا ؛ لابد أن يوجد استعداد دائم للقتال في سبيل اللّه ورغبة في الشهادة ، وهنا يقول الحق :
ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فكأن الاستعداد المستمر للقتال في سبيل اللّه أمر لابد أن يوجد بالفطرة وبالعقل ، فإذا ضعف هذا الاستعداد أو قلّ صار هذا