آمنوا به ، وأنت بإيمانك أصبحت ملتزما بعناصر التكليف « 1 » ، فكأن الحق سبحانه لم يكتب ثم يلزمك ، ولكن التزامك تم في نفس اللحظة التي دخلت فيها باختيارك في الإيمان . وبذلك تكون كل هذه الأحكام قد كتبت علينا باختيار كل منا ، فمن لم يختر الإيمان ليس مكتوبا عليه أن ينفذ أحكام الإيمان ؛ لأنها لا تنفذ إلا بالعقد الإيمانى بيننا وبين الحق سبحانه ؛ وقد احترم سبحانه دخولنا في هذا العقد ، فلم ينسبه لذاته العلية فقط ، بل شمل أيضا كل من دخل في الإيمان .
ولذلك فإن سأل أحد عن حكمة التكليف من اللّه ، نقول له : إن الحكمة تنبع من أنه سبحانه هو الذي كلّف . ثم إن معرفة الحكمة لا تكون إلا من المساوى للمساوى ، فإن ذهب المريض إلى الطبيب وكتب له الدواء ، وظل المريض يناقش الطبيب في الدواء وفوائده ؛ فالطبيب يرفض المناقشة ، ويقول للمريض : ادخل كلية الطب واقض فيها سبع سنوات ، واحصل على الدرجات العلمية ، ثم تعال وناقشني .
إذن : فأنت تربط علة التكليف بأمر المكلف ، مع أن المكلف من البشر قد يخطئ . أما إذا جئنا بمجموعة من الأطباء ليكشفوا على مريض احتار الطب فيه ، ثم جلسوا بعد الكشف يتناقشون ، فكل منهم يقبل مناقشة الآخر ؛ لأنه مساو له في الفكر والثقافة والعلم إلى آخره ، لكن إن أردت أن تسأل عن الحكمة في تكليف من اللّه فلن تجد مساويا لله سبحانه وتعالى ، وبذلك تكون المناقشة مرفوضة .
هامش
( 1 ) ويتضح هذا من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فعن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمعاذ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن : « إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه . فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن اللّه قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة . . . » الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ( 1496 ) ومسلم ( 19 ) .
قال ابن حجر العسقلاني في شرح البخاري ( 3 / 359 ) : « قوله : « فإن هم أطاعوا لك بذلك » أي :
شهدوا وانقادوا . . واستدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع حيث دعوا أولا إلى الإيمان فقط ، ثم دعوا إلى العمل » .