تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5065

مساهمون:

ص٥٠٦٥
العمل ، ولذلك لا بد للإنسان المسلم أن يعمل على قدر طاقته ، وليس على قدر حاجته . والعمل على قدر الحاجة يجعله يوفى بحاجات من يعولهم ، ولا يضطرهم إلى أن يمدوا أيديهم للآخرين ؛ أي أنه يقيهم شر الحاجة . أما العمل على قدر الطاقة فيجعله يأخذ حاجته ، ويعطى لغير القادر ما يقيم حياته ، وبذلك يقدم الخير لنفسه ومن يعولهم وللآخرين . إن المجتمع الذي يجد فيه غير القادر حاجته ، هو مجتمع يملؤه الاطمئنان بالنسبة للقادر وغير القادر . ونحن نعلم أننا نعيش في دنيا أغيار ، ولا يوجد من يدوم غناه أو من يدوم فقره ؛ لأن دوام الحال من المحال ، إن عاش الغنى في مجتمع متكافل يجد فيه الفقير حاجته فهو لن يخشى تقلبات الزمن ؛ لأنه وهو الآن يعطى الفقير ، إن أصبح فقيرا فسوف يجد مقومات حياته ، والفقير إذا أغناه اللّه تعالى فسيذكر أنه كان يأخذ من الأغنياء ، فيبادر ليعين الفقراء كنوع من ردّ الجميل . وبذلك يعيش المجتمع كله حياة آمنة ، كما أن الحياة في مثل هذا المجتمع إنما تهيئ الاطمئنان للناس على أولادهم وذريتهم ، ذلك أن الأعمار بيد اللّه ، وعندما يحس الإنسان بأنه إن مات وترك أولادا صغارا ضعافا فسوف يتكفل المجتمع بهم ، عندئذ يحس بالأمان في حياته ، ولكن إذا كان المجتمع قاسيا يضيع فيه حق اليتيم ، فالأب يعيش غير مطمئن على أولاده الصغار ، ولهذا نجد أن الحق تبارك وتعالى قد أمر بكفالة اليتيم « 1 » ؛ ليعوضه عن أب واحد بآباء متعددين يرعونه ، فيحسّ الأب بالأمان وتحس الأم بالأمان ويحس الصغار بالأمان ، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
هامش
( 1 ) كفالة اليتيم من الأمور التي حثّ عليها الإسلام ، وورد ذكر اليتيم واليتامى في القرآن ( 23 مرة ) ، وذلك من نحو قوله تعالى :وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِالآية ( النساء : 36 ) . وانظر إلى القرآن وهو يوصى كافلى اليتامى بالتعامل بحس إيماني نابع من قلوبهم وضمائرهم مع أموال هؤلاء اليتامى فيقول عز وجلوَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً( النساء : 6 ) .