نحن نعلم أن النار لا تحمى إلا للمعادن ، فإن كان ما كنزوه أوراق نقد فكيف يحمى عليها ؟ وإن كان ما كنزوه معادن فهي صالحة لأن تكوى بها أجسادهم ، أما الورق فكيف يتم ذلك ؟ ونقول : إن القادر سبحانه وتعالى يستطيع أن يجعل من غير المحمى عليه محمى ، أو يحولها إلى ذهب وفضة ؛ وتكوى بها نواح متعددة من أجسادهم ، والكية هي أن تأتى بمعدن ساخن وتلصقه بالجلد فيحرقه ويترك أثرا .
وحين مات أحد الصحابة في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وبحثوا في ثيابه فوجدوا فيها دينارا ، قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « هذه كيّة من النار » ؛ لأن صاحبه كان حريصا على أن يكنزه ، كما وجدوا مع صحابي آخر دينارين كنزهما ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هاتان كيّتان » « 1 » .
كان هذا قبل أن تشرع الزكاة ، أما إذا كان صاحب المال قد أدى حق اللّه فيه فلا يعدّ كنزا ، وإلا لو قلنا : إنّ الإنسان إذا أبقى بعضا من المال لأولاده حتى ولو أدى زكاته فإن ذلك يعتبر كنزا ، لو قلنا ذلك لكنا قد أخرجنا آيات الميراث في القرآن الكريم عن معناها ؛ لأن آيات الميراث جاءت لتورث ما عند المتوفى . والمال المورّث المفترض فيه أنه قد أتى عن طريق حلال وأدى فيه صاحبه حق اللّه ، لذلك لا يعتبر كنزا .
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى :
فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ،
لماذا خصّ اللّه هذه الأماكن بالعذاب ؟ لأن كل جارحة من هذه
هامش
( 1 ) عن أبي أمامة قال : توفى رجل من أهل الصّفّة فوجد في مئزره دينار ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : كية . ثم قال : توفى آخر فوجد في مئزره ديناران ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : كيتان . أخرجه أحمد في مسنده ( 5 / 252 ، 253 ) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 10 / 240 ) : رجاله رجال الصحيح غير شهر بن حوشب . وقد وثق . وهذا الحديث ونحوه رواه أحمد عن عدة من الصحابة .
وقد يقول قائل : وما دينار أو ديناران حتى يكوى بهما بالنار ؟ والجواب : إن هذا رجل من أهل الصفّة أي من الفقراء المعدمين الملازمين لمسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويأكل من صدقات المسلمين ، بينما هو يكتنز الذهب ولو دينارا في طيات ثيابه فكأنه أخذ حق غيره وحرم مجتمع المسلمين مما يكتنزه ومن جهده في العمل ، فلو بهذا الدينار أتى بقدوم واحتطب كما فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع غيره لكان أنفع لنفسه ولأهله ولأهله ولغيرهم ؛ ولهذا استحق الوعيد .