وكذلك الصابئة « 1 » . ولذلك فإن اللّه سبحانه وتعالى لا يريد أن يظهر دينه ؛ الذي هو دين الحق على دين واحد ؛ من أديان الباطل الموجودة ، ولكن يريد سبحانه أن يظهره على هذه الأديان كلها ، وأن يعليه حتى يكون دين اللّه واقفا فوق ظهره هذه الأديان كلها ، والشئ إذا جاء على الظّهر أصبح عاليا ظاهرا .
والحق سبحانه وتعالى يقول :
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ
[ الكهف : 97 ]
أي : أن يأتوا فوق ظهره . وكل الأديان هي في موقع أدنى بكثير من الدين الإسلامي . بعض الناس يتساءل : إذن كيف يكون هناك كفار ومجوس وبوذيون وصابئون وأصحاب أديان أخرى كاليهودية والنصرانية ، فما زالت دياناتهم موجودة في الكون وأتباعها كثيرون ، نقول : لنفهم معنى كلمة الإعلاء ، إن الإعلاء هو إعلاء براهين وسلامة تعاليم ، بمعنى أن العالم المخالف للإسلام سيصدم بقضايا كونية واجتماعية ، فلا يجد لها مخرجا إلا باتباع ما أمر به الإسلام ويأخذون تقنيناتهم من الإسلام ، وهم في هذه الحالة لا يأخذون تعاليم الإسلام كدين ، ولكنهم يأخذونها كضرورة اجتماعية لا تصلح الحياة بدونها . وأنت كمسلم حين تتعصب لتعاليم دينك ، فليس في هذا شهادة لك أنك آمنت ، بل دفعك وجدانك وعمق بصيرتك لأن تؤمن بالدين الحق ، ولكن الشهادة القوية تأتى حين يضطر الخصم الذي يكره الإسلام ويعانده إلى أن يأخذ قضية من قضايا الإسلام ليحل بها مشكلاته ، هنا تكون الشهادة القوية التي تأتى من خصم دينك أو عدوك . ومعنى هذا أنه لم يجد في أي فكر آخر في الكون حلا لهذه القضية فأخذها من الإسلام .
فإذا قلنا مثلا : إن إيطاليا التي فيها الفاتيكان الذي يسيطر على العقائد
هامش
( 1 ) الصابئة : قوم تركّب دينهم بين اليهودية والمجوسية . وقال الخليل : هم قوم يشبه دينهم دين النصارى ، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب ، يزعمون أنهم على دين نوح عليه السّلام . انظر : تفسير القرطبي ( 1 / 471 ) والملل والنحل للشهرستاني ( 2 / 62 ) ونشأة الفكر الفلسفي في الإسلام للدكتور على سامى النشار ( ص 213 وما بعدها ) .