تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5052

مساهمون:

ص٥٠٥٢
إن الإنسان الذي قطع الأشجار وأزال الغابات التي خلقها اللّه في هذا الكون لتكون مصدرا للهواء النقى وأنشأ بدلا منها مصانع ومدنا ؛ بدأ الآن يحاول أن يعيد زراعة هذه الأشجار بعد أن علم أن تدخله في الكون قد أفسد جوّه وماءه وأفسد على جميع الكائنات حياتهم ، ولو أن الإنسان المختار عاش في الدنيا وفقا لمنهج اللّه تعالى لاستقام أمر الدنيا ، كما استقام الكون الأعلى . ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ( 5 ) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ( 6 ) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ
( 7 ) [ الرحمن ] إذن : فالميزان للعلويات لا يختل أبدا ، فإذا عرفتم ذلك فنّفذوا أمر الحق سبحانه وتعالى في قوله :
أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ
[ الرحمن : 8 ] فإذا سرتم على ضوء منهج اللّه تعالى ، تستقيم أموركم الدنيا كما استقامت أموركم العليا ، وها هو ذا الكون أمامكم يسير منضبطا ، وهذا شأن الشئ الذي فيه اختيار للإنسان ؛ إن لم يسر على منهج اللّه عز وجل تجدوه غير مستقيم . وعلى هذا إذا رأيت عورة في الكون من أي لون ، فاعلم أن منهجا من مناهج اللّه قد عطّل . ولذلك نجد - أيضا - أن المفسدين ساعة يرون أن مصلحا قد جاء ليضرب على أيدي المفسدين ، تجدهم يحاولون إفساده وجذبه إليهم ليعيش فسادهم ، وإذا لم يتحقق لهم ذلك فهم يقفون أمام هذا المصلح لأنهم إنما يعيشون بالفساد وعلى الفساد ، ويصنعون لأنفسهم السيادة والجبروت ويستعبدون غيرهم ، وحين يرى المفسدون رجلا يريد أن يعدل ميزان الكون فهم يحاربونه . وأنت حين تشترى سلعة ، فالبائع يزن لك بمقدار ما تدفع من ثمن ، ويحتاج