تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5058

مساهمون:

ص٥٠٥٨
ثمنا قليلا ، وحرّفوا تعاليم السماء حتى يأكلوا أموال الناس بالباطل ، ولكن هل الأموال تؤكل ؟ طبعا لا ، بل نشترى بالمال الطعام الذي نأكله ، فلماذا استخدم الحق سبحانه عبارة
لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ ؟
أراد الحق سبحانه وتعالى بذلك أن يلفتنا إلى أنهم لا يأخذون المال على قدر حاجتهم من الطعام والشراب ، ولكنهم يأخذون أكثر من حاجتهم ليكنزوه « 1 » . ولذلك يأتي قوله تعالى في ذات الآية أنهم
يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ .
هم إذن أكلوا أموال الناس بالباطل ، مصداقا لقول الحق سبحانه
لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ
ومعنى ذلك أنّ هناك أكلا من أموال الناس بالحق في عمليات تبادل المنافع ، فالتاجر يأخذ مالك ليعطيك بضاعة ؛ ويذهب التاجر ليشترى بها بضاعة وهكذا ، وقانون الاحتياط هنا في أن يكون هناك رهبان وأحبار محافظون على تعاليم الدين ، ولا يأكلون أموال الناس بالباطل ، وهذا ظاهر في قول الحق سبحانه وتعالى :
إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ
ولم يقل جل جلاله : كل الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ، بل قال
إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ ؛
لأنه قد يوجد عدد محدود من الأحبار والرهبان ملتزمون ، واللّه لا يظلم أحدا ؛ لذلك جاء بالاحتمال . فلو أن اللّه سبحانه وتعالى عمّم ووجد منهم من هو ملتزم بالدين . فمعنى ذلك أن يكون القرآن الكريم لم يغطّ كل الاحتمالات ، ومعاذ اللّه أن يكون الأمر كذلك ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى في قرآنه يصون الاحتمالات كلها . إذن : فاستيلاء بعض من هؤلاء الأحبار والرهبان على أموال الناس لا يكون بالحق ، أي لا يحصلون فقط على ما يكفيهم ، بل بالباطل أي بأكثر مما
هامش
( 1 ) قال القرطبي في تفسير الآية ( 4 / 3049 ) : « كانوا يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وغير ذلك ، مما يوهمونهم أن النفقة فيه من الشرع والتزلف إلى اللّه تعالى . وهم خلال ذلك يحجبون تلك الأموال ، كالذي ذكره سلمان الفارسي عن الراهب الذي استخرج كنزه » والتزلّف هو : التقرب .