جدرانها بالطوب حتى لا تنهار الأتربة وتسدّها ، وأن تحاول أن تسهل حصول الناس على الماء من البئر ، والأصلح منه أن تصنع خزانا عاليا ، ومن هذا الخزان تمتد المواسير ليصل الماء إلى الناس في منازلهم بدون تعب ، هذا إصلاح لأنك بذلك إنما تأخذ بأسباب الحق القائل عن تميز الفكر ؛ عند ذي القرنين :
وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ( 84 ) فَأَتْبَعَ سَبَباً
( 85 )
[ الكهف ]
أي : أن اللّه سبحانه وتعالى أعطى لذي القرنين الأسباب ، وهو زاد باجتهاده أسبابا أخرى ؛ إذن : فالحق سبحانه يريد من الإنسان أن يصلح في الأرض حتى يسعد المجتمع بأي إصلاح في الأرض ويستفيد منه الكل ، ولذلك يعطى الحق سبحانه وتعالى اختيارات في أشياء ولا يعطيها في أشياء أخرى ، فالإنسان له اختيار في أن يصلى أو لا يصلى ، يتصدق أو لا يتصدق ، يعمل أو لا يعمل إلى آخر ما نعلمه ، ولكن الكون الأعلى محكوم بالقهر ، فالشمس والقمر والنجوم والهواء والماء وكل هذا له نظام دقيق ، فلا الشمس ولا القمر ولا النجوم ، ولا غيرها من الكون الأعلى يخضع لاختيار الإنسان ، وإلا لفسد الكون . وكل شئ مقهور سليم بالفطرة ولا يحدث فساد إلا في الشئ الذي فيه اختيار للإنسان ؛ لأن الاختيار قد يتبع الشهوة وهوى النفس ، حتى المخلوقات المقهورة كالحيوانات التي سخرها اللّه للإنسان لا يأتي منها الشر . بل إن مخلّفاتها تستخدم في زيادة خصوبة الأرض . ولكن الأشياء التي صنعها الإنسان ملأت أجواء الدنيا بالسموم ولوثت الجو ؛ لأن الأولى مخلوقة بهندسة إلهية ، والثانية بهندسة بشرية علم صانعها أشياء وغابت عنه أشياء .
وقد يعتقد الناس أن هناك بعضا من الاكتشافات قد حلّت مشكلات الكون ، ثم بعد ذلك وعندما تمر السنوات يعرفون أنها جاءت بالشقاء للبشرية ، ولعل تلوث البيئة الذي بدأ يؤثر على حياة الكون أخيرا يلفتنا إلى ذلك ، حتى