تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5049

مساهمون:

ص٥٠٤٩
ذاتية وحياتك موهوبة ، فسبحانه حي بذاته ، ولذلك يجب أن تفرق بين اسمه « الحي » واسمه « المحيى » ، فهو حي في ذاته ، ومحى لغيره ، وإن كانت الصفة لله في الذات فهي لا تتعدى إلى الغير ، إن اللّه يوصف بها ولا يوصف بنقيضها ، فتقول « حي » ولا تقول المقابل ، ولكن إن قلت : « محيى » فأنت تأتى بالمقابل وتقول « مميت » . وتقول : « قابض وباسط » و « رحيم وقهار » . إذن : فصفة الذات يتصف اللّه بها ولا يتصف بمقابلها ، وأما صفة الفعل فيتصف بها ويتصف بمقابلها لأنها في غيره ، فسبحانه هو محى لغيره ، ومميت لغيره ، لكنه حي في ذاته . إذن فكلمة
سُبْحانَهُ *
تعنى التنزيه ذاتا ، وصفات ، وأفعالا ، وإذا جاء فعل من اللّه ، ويأتي مثله فعل من البشر ، نقول : إن فعل اللّه عز وجل غير فعل البشر لأن فعل اللّه بلا علاج « 1 » ، ولكن فعل البشر بعلاج ، بمعنى أن كل جزئية من الزمن تأخذ قدرا من الفعل ، كأن تنقل شيئا من مكان إلى مكان ، فأنت تأخذ وقتا وزمنا على قدر قوتك ، أما فعل اللّه عز وجل فلا يحتاج إلى زمن ، وقوته سبحانه وتعالى لا نهائية . ولذلك حين قال سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لقد أسرى بي إلى بيت المقدس ، قال من سمعوه : أتدعى أنك أتيتها في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا ؟ « 2 » لكن لم يلتفت أحد منهم إلى أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقل : لقد ذهبت
هامش
( 1 ) أي أن فعل اللّه سبحانه وتعالى يتم في الكون بدون معالجة أو تهيئة أسباب بل الأمر بالنسبة لله : كن فيكون . ( 2 ) أخرج أحمد في مسنده ( 1 / 309 ) عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : لما كان ليلة أسرى بي وأصبحت بمكة فظعت بأمري ، وعرفت أن الناس مكذبي ، فقعد معتزلا حزينا . قال : فمر عدو اللّه أبو جهل فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ : هل كان من شئ ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : نعم ، قال : ما هو ؟ قال : إنه أسرى بي الليلة ، قال : إلى أين ؟ قال : إلى بيت المقدس . قال : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ قال : نعم . قال : فلم ير أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه » الحديث ، وعن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لما كذبتني قريش حين أسرى بي إلى بيت المقدس قمت في الحجر فجلا اللّه لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه » أخرجه أحمد في مسنده ( 3 / 377 ) . والبخاري في صحيحه ( 4710 ) ، ومسلم ( 170 ) . وقد قال ابن إسحاق : فلما أصبح غدا على قريش ، فأخبرهم الخبر فقال أكثر الناس : هذا واللّه الإمر البين ، واللّه إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرا مقبلة ، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة ؟ ( سيرة النبي لابن هشام : 2 / 4 ) . والإمر : هو الشئ العظيم العجيب المنكر .