تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5041

مساهمون:

ص٥٠٤١
قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ آل عمران : 37 ] وجاء الحق بهذه الكلمة لتخدم أمورا إيمانية كثيرة جدا ، وجاء بها على لسان مريم المصطفاة ؛ لأن المسألة ليست مجرد طعام يأتيها من مصدر لا يعلمه البشر حتى من هي في كفالته . بل هي تقديم لما سوف يحدث . فلا تظن أن الأمور تسير سير المسألة الحسابية بأسباب ومسببات ، وعلل ومعللات ، ومقدمات ونتائج ، بل هي بإرادة اللّه تعالى ؛ لأنها لو كانت من عند الإنسان لفعلها بحساب ، ولكن الحق سبحانه وتعالى يعطى بلا حساب ؛ لأنه خالق الأسباب ، وهو قادر على أن يخلق المسبّب على الفور :
يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ آل عمران : 37 ] وحين أنطق الحق سبحانه وتعالى مريم بهذا إنما كان ليوضح لها ولزكريا في آن واحد : إنك يا زكريا تأتى لها بالرزق في حدود قدراتك وحساباتك البشرية ، ولكن اللّه يأتيها بالرزق بغير حساب ، وهو ما لا تستطيع أن تأتى به قدرات البشر ، فقد يكون الرزق الذي رآه سيدنا زكريا عند سيدتنا مريم لونا من الأطعمة لا يأتي إلا في الصيف ، بينما كان الوقت شتاء ، أو العكس ، وقد يصح أن هذا الرزق ليس في بلادهم مثله ، ولذلك قال :
أَنَّى لَكِ هذا
وقول الحق تبارك وتعالى :
أَنَّى لَكِ هذا
هو قضية تربوية اجتماعية بمعنى أن الكفيل على قوم حينما يرى عندهم أشياء لم يأت بها هو ، وجب عليه أن يسأل عن مصدرها ، فحينما ترى في يد ابنك قلم حبر غالى الثمن وأنت لم تحضره له ، لا بد أن تسأله : من أين جئت به ؟ وذلك لتعرف التأثيرات الخارجية عليه ، هل سرقه ؟ أم أن أحدا أراد استدراجه إلى غرض سيّئ فأغراه بهذا القلم ؟ لا بد إذن أن تسأل ابنك : من أين لك هذا ؟ وكذلك إن رأيت ابنتك ترتدى ثوبا لم تأت لها به ولا أتت به أمها بعلمك ، لا بد أن تسأل ابنتك : من أين