تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5037

مساهمون:

ص٥٠٣٧
موضوعات . فإن لم يعرف السامع اللفظ الذي يتكلم به المتكلم فهو لا يفهم شيئا . وهكذا نعلم أن الفهم بين المتكلم والمخاطب يشترط فيه أن يكونا عليمين باللفظ ، فإذا تكلم متكلم بشئ لا علم للسامع به ؛ فهو لا يفهم . وكانوا يضربون لنا المثل قديما بعلقمة النحوي وكان مشهورا في النحو والألفاظ واللغة ، ويتقعر في استخدام الكلمات ، ولا يتكلم إلا باللغة الفصيحة الشاذة التي لا يعرفها الناس ، وكان عند علقمة خادم ، فمرض علقمة النحوي مرة وذهب إلى طبيب اسمه « أعجز » ليشكو له علة عنده ، وقال علقمة للطبيب : قد أكلت من لحوم هذه الجوازئ فقصأت منها قصأة أصابني منها وجع من الوابية إلى دأبة العنق ، ولم يزل يمنى حتى خالط الخلب وأملت منه السراسيب . ولم يكن الطبيب متخصصا في اللغة ولا معاجم عنده ، فوقف مستغربا من كلمات علقمة وقال له : أعد علىّ ما قلته فإني لم أفهم ، فأعاد علقمة عليه ما قاله بغضب ولوم لأنه لم يفهم لغته ، وعرف الطبيب تقعر علقمة فقال له : هات القلم والورقة لأكتب لك الدواء ، وكتب له : خذ حرقة وسلقة ورهرقة واغسله بماروس واشربه بماء ماء . فقال علقمة : أعد علىّ فو اللّه ما فهمت شيئا ، فقال الطبيب : لعن اللّه أقلّنا إفهاما لصاحبه . وعرف علقمة أنه متقعر في اللغة ويأتي بألفاظ ليست من الألفاظ الدائرة على ألسن الناس . وقال أساتذتنا لنا : ولم يؤدبه عن هذا إلا غلامه أي خادمه ، فقد استيقظ علقمة ذات ليلة وقال : يا غلام أصعقت العتاريف ، ولأن الغلام لم يفهم فقد رد قائلا : زقفيلا ، وقال علقمة للغلام : وما زقفيل ؟ قال : وأنت ما أصعقت العتاريف ؟ فقال له : يا بنى لقد أردت أصاحت الديكة ؟ فقال : وأنا أردت لم تصح . وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى :
ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ
إذن : القول هو اللفظ الملفوظ من الفم ، وهذا القول إما أن يكون له معنى ، وإما ليس له معنى . مثل كلمة « زقفيل » التي قالها خادم علقمة ، هذه الكلمة ليس لها