من عدم ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا . ولكن الشبهة عند بعض من أتباع المسيح جاءت من أنه أوجد من دون أب ، ونقول لهم : لو أن هذا الأمر جاء لكم من هذا الطريق ، فكان من الأولى أن تجىء ذات الشبهة في خلق آدم ؛ لأن قصارى ما في المسيح أنه جاء من غير أب ، ولكن آدم جاء من غير أب ومن غير أم ، فأيهما كان أولى أن يكون ابن إله ؟
ولذلك يقول القرآن الكريم :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ .
والحق سبحانه وتعالى يخلق الشئ - أي شئ - بأسباب ، وكل الأسباب مخلوقة له ، والولد منا - في جمهرة الناس - ينشأ من اجتماع الأب والأم ، والشئ المردود بين شيئين له صور منطقية أربعة : إما أن يوجد بوجود شيئين ذكر وأنثى ، وإما أن يوجد بانعدام الشيئين مثل آدم ، وإما أن يوجد بوجود واحد من الشيئين وهو الذكر مثل حواء ، فقد خلقها اللّه من آدم مصداقا لقوله :
وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ،
وإما بوجود واحد من الشيئين وهي الأنثى وخلق عيسى عليه السّلام منها بدون وجود الذكر . وليعلمنا اللّه سبحانه وتعالى جميعا أن الأسباب لا دخل لها في التكوين ، وأن المسبّب هو القادر على أن يوجد من غير أب وأم كما أوجد آدم ، وأن يوجد من أب وأم كما أوجد جمهرة الناس ، وأن يوجد من أم دون أب كما أوجد عيسى ، وأن يوجد من دون أم كما أوجد حواء .
إذن : فالقسمة دائرة بقدرة اللّه وإرادته ، ولا دخل لأحد إلا إرادة الحق سبحانه وتعالى ، فالأسباب ليست هي الفاعلة في ذاتها ، بل إرادة الخالق سبحانه هي الفاعلة ، ولذلك يقول المولى سبحانه وتعالى :
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
( 50 ) [ الشورى ]
أي : قد يوجد الذكر والأنثى ولا يعطى لهما الحق عز وجل أولادا ، وهذه