تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4986

مساهمون:

ص٤٩٨٦
وعاطفيا . ولكن الحب العقلي هو مناط التكليف ، أما الحب العاطفى فلا يكلف به . ولم يقنن الحق سبحانه وتعالى لانفعالات العواطف ، لأنه سبحانه لا يمنع العواطف أن تنفعل انفعالاتها الطبيعية ، فأنت تحب من يسدى إليك معروفا ، وهناك من تحبه دون أن تعرف السبب . وهناك من تبغضه دون أن يكون قد عاداك أو آذاك « 1 » ، وكل ذلك متروك لك ، ولكن اللّه سبحانه وتعالى نهى أن يؤدى ذلك إلى عدوان على الحق ، فقال سبحانه وتعالى :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا
[ المائدة : 8 ] أي : لا يدفعكم كره قوم على أن تخرجوا عن طريق الحق وتظلموهم ، فإن كرهتموهم فتمسكوا بالعدل معهم . إذن فاللّه سبحانه وتعالى لم ينه عن الحب أو الكره ؛ ولكنه نهانا عن أن نظلم من نكره أو نجامل من نحب على حساب الحق والعدل . ويعطينا سيدنا عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - صورة حية لهذا ؛ فقد قتل أبو مريم الحنفي زيد بن الخطاب شقيق سيدنا عمر في معركة اليمامة ، ثم دخل في الإسلام ؛ فكان كلما مر أمام سيدنا عمر قال له : إلو وجهك بعيدا عنى ، فإني لا أحبك . فقال له أبو مريم الحنفي : أو عدم حبك لي يمنعني حقا من حقوقى . قال : لا . فقال الرجل : إنما يبكى على الحب النساء . والحق سبحانه وتعالى حين قال :
إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ
إنما يريد أن يلفتنا إلى أنهم عارضوا فطرتهم وعقولهم ؛ ولذلك لا نجعل انتماءنا لهم فوق انتمائنا للّه ، فالولاء للّه فوق كل حق ؛ حتى لو كان حق الأبوة ، صحيح أن الأب سبب وجودك ، ولكنه سبحانه وتعالى خلق أباك الأول آدم من عدم ، فلا تجعل الخلق الفرعى يطغى على الخلق الأصلي . ولذلك يذيل الحق هذه
هامش
( 1 ) عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف » . أخرجه مسلم في صحيحه ( 2638 ) وأحمد في مسنده ( 2 / 295 ، 527 ، 539 ) وأبو داود ( 4834 ) .