تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4985

مساهمون:

ص٤٩٨٥
يأخذ ما يريد بهدوء واطمئنان ، لكن المنحرف من يدخل إلى غير حجرته ليأخذ شيئا من « دولاب » ما ، حتى ولو كان « دولاب » الأب النائم ، لذلك نجده يسير على أطراف أصابعه متلصصا ليفتح « دولاب » أبيه . إذن : فالاستقامة لا تحتاج إلى تكلف ، ولكن الانحراف هو الذي يحتاج إلى تكلف ، ولذلك قال اللّه سبحانه :
اسْتَحَبُّوا
ولم يقل ؛ « أحبوا » ، لأن الحب أمر فطرى ، فالإنسان - مثلا - يحب ابنه حبا فطريا عاطفيا ، والحب العاطفى لا يقنن . فأنت لا تستطيع أن تقول : سأحب فلانا وسأكره فلانا ؛ لأن العاطفة لا تأتى بهذه الطريقة ؛ لذلك أنت تحب ابنك عاطفيا ، حتى وإن كان فاشلا في دراسته . لكنك تحب ابن عدوك عقليا إن كان متفوقا ، إذن فالحب العقلي هو الذي يقنن له . وكذلك أنت تكره الدواء المر بعاطفتك ، لكنك تحبه بعقلك إن كان فيه شفاؤك ، فتبحث عنه ، وتدفع المال من أجله ، وتحرص على أن تتناوله ، وكلنا نعلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه » « 1 » ووقف عند هذه سيدنا عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - وقال : يا رسول اللّه : أنا أحبك عن مالي وأحبك عن ولدى ، ولكن كيف أحبك عن نفسي ؟ فكرر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الحديث قائلا : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه » . وكررها عليه الصلاة والسّلام ثلاثا ، فعلم عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أن هذا تكليف . والتكليف لا يأتي إلا بالحب العقلي الذي يمكن أن يقنن . وقد يتسامى المؤمن في الحب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليصير حبا عقليا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه ( 6632 ) وأحمد في مسنده ( 4 / 233 ) وفي إسناد أحمد بن لهيعة ولكن تابعه حيوة عن زهرة بن معبد . وباقي الحديث هنا مروى بالمعنى .