تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4984

مساهمون:

ص٤٩٨٤
من خلق اللّه القادر العظيم . لماذا إذن لا نصدق الرسول ، ونتبع المنهج الذي أنزل إلينا ؟ ولقد ضربنا مثلا - وللّه المثل الأعلى - بشخص سقطت به الطائرة وسط الصحراء وبقي حيا ، لكن لا ماء ولا طعام ، ثم أخذته سنة من النوم واستيقظ ليجد الطعام والشراب ، وكل ما يحتاج إليه حوله ؛ ألا يفكر قبل أن يأكل من كل هذا : من الذي جاء به ؟ . وأنت أيها الإنسان قد جئت إلى هذا الكون العظيم وقد أعدّ إعدادا مثاليا لحياتك ، وهو إعداد فوق القدرة البشرية ، فكان يجب أن تفكر من الذي أوجد هذا الكون ؟ . إذن : فالإيمان ضرورة فطرية ؛ وضرورة عقلية أيضا ، وإن ابتعدت عن الإيمان فهذا يحتاج إلى تكلف ؛ لأنك تبتعد عن منطق الفطرة والعقل ؛ لتحقق شهوات نفسك . وما دمت قد اتبعت هواك وخضعت لشهوات النفس ، فهذا لون من التكلف الذي يصيب ملكاتك بالخلل ، وعقلك بالخبل ، فحب الكفر لا يكون عاطفيا ، أو فطريا ، كما لا يكون منسجما مع العقل السليم ، بل هو حب متكلّف . فالذي يفعل حلالا يحيا وملكاته كلها منسجمة ، والذي يفعل حراما يعيش وملكاته مضطربة « 1 » ، والمثال : حين ينظر الرجل إلى زوجته ، فهو ينظر إلى حلاله ويشعر أن ملكاته منسجمة ، ولكن إن نظر إلى امرأة أخرى ، فهو . . يشعر باضطراب الملكات . فالسلوك المتفق مع الإيمان سلوك سوى . أما السلوك الخارج عن منهج الإيمان فهو الذي يحتاج إلى تكلف ، وهذا التكلف يعارض الطباع الإنسانية . بينما توابع الإيمان من الاستقامة لا تكلف شيئا ، فالمؤمن يكون مستقيما فلا يرتشى ، ولا يسرق ، ولا يدخل بنفسه إلى مزالق الهوى أو الشهوة ، ويحيا حياة طيبة ، فإن فتح « دولابه » الخاص ، وأخذ منه شيئا فهو
هامش
( 1 ) عن النواس بن سمعان الأنصاري قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن البر والإثم ؟ فقال : « البرّ حسن الخلق ، والإثم ما حاك في صدرك ، وكرهت أن يطلع عليه الناس » . أخرجه مسلم ( 2553 ) والترمذي ( 2389 ) وقال : حسن صحيح ، وأحمد في مسنده ( 4 / 182 ) .
تفسير الشعراوى — صفحة 4984 | محمد متولي الشعراوي