تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4926

مساهمون:

ص٤٩٢٦
والصبيان « 1 » ، ومن قتال الذين لم يقاتلونا « 2 » . إذن فالعذاب بعد رسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس عذاب استئصال وإبادة كما كان في الأمم السابقة . ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد عذّب الأمم السابقة بتلك الوسائل ، فكان على الرسول من السابقين على رسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبلغ الرسالة ، وإن لم يؤمن قومه برسالته تتدخل السماء ضدهم بألوان العذاب السابقة . ولكن الحق تبارك وتعالى أمر محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وأمته من بعده أن تدعو لدين اللّه ، وتؤدب من يختصم الإيمان ، ويدخل في عداوة مع المؤمنين فمنهم من يفر أو يقع في الأسر ويبقى الطفل والمرأة دون تعذيب .
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ
[ التوبة : 14 ] وما الفرق بين العذاب والخزي ؟ نقول : قد نجد واحدا له كبر وجلد ، وإن أصابه العذاب فهو يتحمله ولا يظهر الفزع أو الخوف أو الضعف ، ويمنعه كبرياؤه الذاتي من أن يتأوه ، ولمثل ذلك هناك عذاب آخر هو الخزي ، والخزي أقسى على النفس من العذاب ؛ لأن معناه الفضيحة ، كأن يكون هناك إنسان له مهابة في الحي الذي يسكن فيه ، مثل فتوة الحي ، ثم يأتي شاب ويدخل معه في مشاجرة أمام الناس ويلقيه على الأرض ، هذا الإلقاء لا يعذبه ولا يؤلمه ، وإنما يخزيه ويفضحه أمام الناس ، بحيث لا يستطيع أن يرفع رأسه بين الناس مرة أخرى ، والخزي هنا أشد إيلاما لنفسه من العذاب . ولا يريد سبحانه أن يعذب
هامش
( 1 ) وقد وردت بهذا السنة الشريفة ، فعن عبد اللّه بن عمر قال : « وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فنهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتل النساء والصبيان » . أخرجه البخاري في صحيحه ( 3014 ، 3015 ) ومسلم ( 1744 ) . ( 2 ) يقول عز وجل :لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[ الممتحنة : 8 ] قال القرطبي في تفسيرها : « هذه الآية رخصة من اللّه تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم » وذكر أقوال من ذهب إلى أنها منسوخة بآيةفَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْثم قال : « وقال أكثر أهل التأويل : هي محكمة . واحتجوا بأن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « هل تصل أمها حين قدمت عليها مشركة ؟ قال : نعم » . خرجه البخاري ومسلم » .