ثم يقول الحق عز وجل بعد ذلك :
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 16 ]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 16 )
ساعة تسمع « أم » فاعلم أنها إضرابية ، أي : ما كان اللّه سبحانه ليترككم حتى يعلم - علم الواقع - من منكم يؤمن إيمانا يؤهله للجهاد في سبيل اللّه ؛ فإن ظننتم أن اللّه تارككم بدون ابتلاء وبدون أن يختبركم ويمحصكم « 1 » ، فيجب أن تعرضوا عن ذلك وتفهموا ما يقابله .
إذن فالابتلاء أمر ضروري لمن أراد اللّه تعالى له أن يتحمل أمر الدعوة ليواجه شراسة التحلل والفساد ، لذلك يصفّى اللّه من آمنوا حتى يقف كل واحد منهم موقف الانتماء إلى اللّه مضحيا في سبيل اللّه . وساعة يقول الحق عز وجل في شئ كلمة
وَلَمَّا يَعْلَمِ
فليس معنى ذلك أنه لم يعلم وسيعلم ، لا ، فسبحانه يعلم كل شئ أزلا ، ولكن العلم الأزلي لا يكون حجة على البشر .
ودائما أضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - نجد عميد إحدى الكليات أحيانا يعلن عن جائزة علمية يريد أن يعطيها للمتفوقين ؛ فيقول له المدرس الذي يشرف على تحصيل التلاميذ : إن فلانا هو الأول وهو يستحق الجائزة ،
هامش
( 1 ) يقول تعالىأَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ[ العنكبوت : 2 ، 3 ] وقد قال تعالى :وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ[ آل عمران : 141 ] والتمحيص هو : الاختبار والابتلاء ، والتمحيص أيضا : التخليص والتطهير . ومنها تمحيص الذهب أي اختباره لمعرفة الجيد منه من الردئ .