وفي آية أخرى يقول :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
[ الأنفال : 33 ]
فكيف يثبت اللّه العذاب وينفيه ؟ . ونقول : لقد نزلت الآيتان في الكفار .
وسبحانه وتعالى يقول :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
ولو قال : قاتلوهم تعذبوهم بأيديكم لاختلف المعنى ، ولكن الآيتين تثبت إحداهما العذاب والأخرى تنفيه ، ونقول : إن الجهة منفكة ، فقوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
أي : لا ينزل اللّه تعالى عليهم عذابا من السماء ما دمت فيهم ، وقد وضح هذا في قوله تعالى :
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 32 ) وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
( 33 ) [ الأنفال ]
فقد سبق أن طلب الكفار عذابا من السماء ينزل عليهم إن كان القرآن هو الحق ؛ فرد الحق سبحانه وتعالى بأنه لا يعذبهم ما دام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيهم ؛ لأنه أرسله رحمة للعالمين . ولكن عدم تدخل السماء بالعذاب بعد بعث رسول اللّه بالرسالة ، لا يعنى أن العذاب قد انتهى بالنسبة للكفار . وائتمن سبحانه المؤمنين على نصرة منهجه ودينه وهو معهم . ولكن العذاب يتم بالأسباب الأرضية ، ولا يوجد تناقض . لأن العذاب من السماء قد يكون استئصالا لكل الكافرين ؛ صغارا وكبارا ، كأن يغرقهم الطوفان ، أو تأتى الصيحة فتبيدهم عن آخرهم ، أو تجيئهم ريح صرصر عاتية تدمرهم ، أو تصيبهم الرجفة فتجمدهم ، وفي كل هذه الحالات لا يبقى أحد من الكفار ، ولكن القتال البشرى لا يقضى على الكفار نهائيا ، فالإسلام يمنعنا من قتال النساء