ويتابع المولى سبحانه وتعالى فيقول :
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 10 ]
لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ( 10 )
ومن لا يرقب إلّا ولا ذمة في غيره إنما يظلمه ، فإذا كان بيني وبينك قرابة ، أو عهد ، أو إيمان ، فإن لم تراع ذلك تكون قد اعتديت على حقوقى عندك ، وليتك قد اقتصرت في الاعتداء على حقوق الغير ، لكنك - أيضا - اعتديت على نفسك ، لأنك أعطيتها متاعا قليلا في الدنيا ، وتصلى في الآخرة نارا ، إذن فقد ظلمت نفسك . ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
[ آل عمران : 135 ]
ويقول سبحانه وتعالى :
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ النحل : 118 ]
وأ ليس الذي فعل فاحشة ، يظلم نفسه ؟ بلى ، ظلمها في الآخرة بعد أن أعطاها شهوة في الدنيا ، أي أنه أخذ متعة عاجلة بعذاب آجل . لكن الذي يظلم نفسه ظلما شديدا وبيّنا هو الذي يرتكب إثما دون أن يأخذ متعة في الدنيا ، فلا هو أخذ متعة دنيا ولا أخذ متعة آخرة ، مثل الذي يتطوع لشهادة الزور ، هو يأخذ عذابا في الآخرة ولم يأخذ متعة في الدنيا .
وقد يقول قائل : إن هذه الآية مكررة لأن اللّه تعالى قال من قبل :
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً
[ التوبة : 8 ]
ونقول : إن الموضوع يختلف ، ففي الآية الثامنة من سورة التوبة يبين الحق أنهم إن تمكنوا من المؤمنين فلن يراعوا قرابة ولا جوارا ولا حلفا ، وإن أظهروا عكس ذلك . أما في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها فهم يظلمون أنفسهم ويبيعون إيمانهم بثمن قليل ، وهناك فرق بين ظلم الغير وظلم النفس .