تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4887

مساهمون:

ص٤٨٨٧
. ولا حلول وسط بين الكفر والإيمان ، وهكذا فشلت حيلة الكفار في تمييع وتضييع قضية الدين ، وضاع مكرهم ، وبقي الوجود الإيمانى قويا متحدا في مواجهة جبروت الكفار بعد أن كان مهددا . ثم جاءت بعد ذلك المرحلة الثالثة ؛ مرحلة اعتراف الكفر بقوة الإيمان ، فقد كان الكفار يواجهون المؤمنين بالقهر والتعذيب ، والمؤمنون يواجهون هذا بالصبر والاحتمال حتى هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، وحدثت المواجهة المسلحة بين الإيمان والكفر في غزوة بدر ، وانتصر المؤمنون وأصبح لهم كيان يحميهم ، فلم يعودوا هم القلة الضعيفة المستذلة والمستكينة ، بل أصبحت لهم قوة ولهم قدرة ، وإن لم تصبح لهم سيطرة . ولكنهم أصبحوا قوة قادرة على مواجهة الكفار أو قوة مساوية لهم ؛ تستطيع أن تصد الاعتداءات وتواجه الضربة بالضربة . وحين أصبح للإيمان هذه القوة والقدرة على حماية أنفسهم والمساواة والكيان تجاه الكفار ؛ كانت هذه بداية المرحلة التي أعطت الإسلام تفرغا لنشر الدعوة خارج محيط مكة ، وأمن المسلمون وهم ينشرون دعوتهم من هجوم الكفار وتنكيلهم بهم بعد صلح الحديبية ، وكان مجرد التعاقد والتعاهد هو اعتراف بدولة الإيمان ، وهي المسألة التي فطن لها سيدنا أبو بكر رضى اللّه عنه وقد ظن البعض لأول وهلة أن معاهدة الحديبية كان فيها إهدار لحق المؤمنين ، حتى إن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه قال : علام نعطى الدنية « 1 » في ديننا . هذه المسألة أخذت جدلا كبيرا كاد يصل إلى أن يصادم المؤمنون أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعندما رأت أم سلمة رضوان اللّه عليها خوف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المؤمنين من عدم إطاعة ما قاله لهم ، ووجدت الحزن الشديد على وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قالت : « يا رسول اللّه لا تحزن . إن القوم مكروبون لأن أملهم أن يطوفوا بالبيت الحرام ، وها هم أؤلاء الآن على مقربة من البيت ولكنهم
هامش
( 1 ) الدنية : أصلها الدنيئة بالهمزة ولكنها خففت وهي صفة لمحذوف . . أي الحالة الدنيئة الخسيسة .