تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4886

مساهمون:

ص٤٨٨٦
وبين سادة الكفر . وهذه المواجهة أخذت عدة مراحل : المرحلة الأولى كانت الدعوة للإيمان ، والدعوة إلى المحبة ، والدعوة إلى المساواة . وعدم مقابلة التعذيب والقتل بالعنف . وهذه البداية لم تعجب سادة قريش بل جعلتهم يستهينون بالمؤمنين ويمعنون في إيذائهم وتعذيبهم ويعتقدون أنهم سيقضون عليهم ، فلما وجدوا الدعوة تقوى رغم كل ما تواجهه من مراحل التعذيب والبطش ؛ ازدادوا تنكيلا بالمؤمنين ، فهاجر بعض من المؤمنين إلى الحبشة ، وأصبحوا يبحثون عمن يحميهم ويستجيرون به ؛ وشاء الحق تبارك وتعالى ذلك حتى لا يدخل الإسلام إلا من أشرب قلبه حب الإسلام واستهان بكل الصعاب والاضطهاد والقتل والتشريد ؛ وهؤلاء هم الذين سيصبحون مأمونين على الدعوة . وبعد ذلك ظل الكفر على كفره ، وظل الإيمان يأخذ إليه بهدوء بعض الأفراد ، وحاول الكفار أن يستميلوا المؤمنين بالحيلة بعد أن فشلت القوة والبطش والإرهاب ؛ فقالوا : نعبد إلهكم فترة وتعبدون إلهنا فترة ، فأنزل اللّه سبحانه وتعالى سورة فيها ما يسمى بالعرف الحديث « قطع العلاقات » ، فقال الحق عز وجل :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
( 6 ) [ الكافرون ] وكان هذا إعلانا بمرحلة ثانية تتسم بأنه لا مهادنة ولا حلول وسط بين الكفر والإيمان ؛ لأنه لو قبل المؤمنون عبادتهم لآلهة - الكفار ؛ فهذا اعتراف منهم بأن آلهتهم حق ، ولو قبلوا أن يعبدوا الإله الواحد ويشركوا به آلهة أخرى لكان ذلك تفريطا ، ولا يمكن أن يحدث ذلك . وكان النهى هنا في هذه الآية الكريمة يشمل الحاضر والمستقبل . وهذا ما يسمى في السياسة الدولية باسم قطع العلاقات ، بل إن قطع العلاقات الدولية إنما يكون بسبب طارئ ، أما الخلاف بين المسلمين الأوائل وأهل الشرك فلم يكن صراعا بين فكر بشر وفكر بشر آخرين ، ولكن المسألة كانت صراعات بين منهج تريده السماء لأهل الأرض ، وبين المنتفعين بالفساد في الأرض ؛ لذلك كان لا بد أن يكون القطع نهائيا ، فلا لين ولا مهادنة
تفسير الشعراوى — صفحة 4886 | محمد متولي الشعراوي