تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4885

مساهمون:

ص٤٨٨٥
فإذا قرأت السورة التي بعد سورة الفيل مباشرة تجد أنها :
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ( 1 ) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ ( 2 ) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ( 3 ) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
( 4 ) [ قريش ] فكأن حفظ الكعبة من الهدم كان حفظا من اللّه سبحانه وتعالى لسيادة قريش . ولذلك كان من الواجب أن تستقبل قريش رسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالإيمان والشكر وفهم هذه النعمة وتقديرها ، بدلا من أن تقف من الإسلام هذا الموقف المتعنت وتحاربه هذه الحرب الرهيبة ، ولكن بدلا من ذلك فقد حدث العكس ، وأحست قريش كذبا بأن الإسلام جاء ليهدد سيادتها فقامت تحاربه . وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تكن النداءات بالإسلام بعيدا عن هذه السيادة ؟ لأن الحق قد أراد أن تكون صيحة الحق في جبروت الباطل وأن يواجه الإسلام في أول أيامه جبروت سادة الجزيرة العربية كلهم جميعا حتى يمحص اللّه قلوب المسلمين الأوائل . فهم من يحملون من بعد ذلك دعوة الإسلام في العالم ؛ فلا يعتنق الإسلام منافق أو ضعيف الإيمان ، بل يعتنقه أولئك الذين في قلوبهم إيمان حقيقي ، ويتحملون كل مظاهر الاضطهاد والتعذيب بقوة إيمانهم . لقد شاء الحق تبارك وتعالى أن يبدأ الإسلام في مكة ولم يجعل اللّه له النصر من مكة ، وشاء سبحانه وتعالى أن يجعل نصر الإسلام من المدينة ؛ لأن قريشا لو انتصرت دعوة واحد منها فهم سيحاولون احتواءه ليسودوا به الدنيا ، وحينئذ سيقال : هم قوم قد تعصبوا لواحد منهم لتظل لهم السيادة ، ويكون اعتناق الإسلام نفاقا وليس إيمانا حقيقيا . ولذلك جعل اللّه سبحانه وتعالى انتصار الإسلام من المدينة ليعلم الناس جميعا ؛ أن العصبية لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لم تخلق الإيمان برسالة محمد عليه الصلاة والسّلام ، ولكن الإيمان برسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي خلق العصبية لمحمد عليه الصلاة والسّلام . ولذلك شاء اللّه سبحانه وتعالى أن تكون هناك مواجهة شرسة بين حملة الإيمان