تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4884

مساهمون:

ص٤٨٨٤
العداوة الشرسة واجهت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وهذه المواجهة للرسول إنما جاءت من المنتفعين بالفساد في الأرض . والمنتفعون بالفساد هم السادة الذين استفادوا من ضياع الحق وانتشار الباطل فأخذوا حقوق غيرهم واستعبدوا الناس ، واستأثروا هم بالمنافع وبما فيه الخير لهم ومنعوا ذلك عن باقي عباد اللّه . والمنتفعون بالفساد يكرهون أي مصلح جاء ليعدل ميزان حركة الحياة في الكون . فلا بد أن يقفوا في وجهه ؛ ليدافعوا عن سيادتهم وعن منافعهم وأموالهم التي حصلوا عليها بالباطل والظلم ، ومن استعبادهم للناس . وكانت الجزيرة العربية في ذلك الوقت مكونة من قبائل متعددة ، وكان لكل قبيلة قانونها الذي يضعه شيخها ليستأثر لنفسه بكل شئ . ومعنى ذلك أنه لا توجد رابطة تربط بين هذه القبائل ، ولا يوجد قانون عام يحكمها ، وكل قبيلة لها عزوتها ولها شوكتها ولها حروبها . وكل فرد في قبيلة لا بد أن يكون مقاتلا يحمل سلاحه مستعدا للحرب في أي وقت ، لأنه مهدد في أي لحظة أن تغير عليه قبيلة أخرى ، إلا قبيلة واحدة هي قريش . فقد أخذت السيادة ولا يعتدى عليها أحد ولا تهاجم قوافلها ، ولا تستطيع قبيلة في الشمال أو في الجنوب أن تهاجم تجارتها ؛ لأن هذه القبائل كلها ستأتي في يوم من الأيام قاصدة حج بيت اللّه الحرام في مكة . وخلال الحج تكون هذه القبائل في حاجة إلى الأمان من قريش ؛ ولذلك حرصت كل قبائل العرب أن تحافظ على علاقتها مع قريش ، لأن السيادة على بيت اللّه الحرام التي جعلها اللّه لقريش هي الضمان . وقد تكفل اللّه سبحانه وتعالى بحماية البيت الحرام من أي عدوان ، حتى عندما جاء أبرهة بأفياله ليهدم الكعبة ؛ جعله اللّه هو وجيشه كعصف مأكول مصداقا لقوله الحق تبارك وتعالى :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ( 1 ) أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ( 2 ) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ( 3 ) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ( 4 ) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
( 5 ) [ الفيل ]