حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ( 93 ) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ( 94 ) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً
( 95 ) [ الكهف ]
فاللّه سبحانه وتعالى لفتنا هنا إلى حقيقة علمية لم نعرفها إلا في العصر الحديث .
فالسد إذا كان كله من مادة صلبة ؛ يتعرض للانهيار إذا ما جاءت هزة أثرت في كل جوانبه ، أما إن كان هناك جزء من بناء صلب على الحافة ، وجزء صغير في المنتصف وجزء ثالث ، ثم رابع ، ويفصل بين كلّ جزء ردم من تراب فالردم فيه تنفسات بحيث يمتص الصدمة ، وهي نفس فكرة الإسفنج التي نحيط بها الأشياء التي نخاف عليها من الكسر لنحفظها ، فلو أن الصندوق من الخشب أو الحديد أو أي مادة صلبة لتحطم الشئ الموضوع فيه بمجرد اصطدامه بالأرض صدمة قوية ، ولكن إذا أحطناه بوسادة من الإسفنج فهي تمتص الصدمات . وأنواع السدود التي تتلقى الصدمات يقال عنها : السد الركامى .
ونلتفت إلى قول الحق سبحانه وتعالى :
فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ
[ الكهف : 95 ]
وهذا يدلنا على أن القوى يجب أن يعين الضعيف معونة لا تحوجه له مرة أخرى ؛ لذلك يقال : لا تعط الجائع سمكة ؛ ولكن علمه أن يصطاد السمك ليعتمد على نفسه بعد ذلك ، وهذه هي المعونة الصحيحة ، ولذلك نجد أن ذا القرنين رفض أن يأخذ مقابلا لبناء الردم ؛ لأن مهمة الأقوياء في الأرض من أصحاب الطاقة الإيمانية أن يمنعوا الظلم بلا مقابل حتى يعتدل ميزان الحياة ؛ لأن الضعيف قد لا يملك ما يدفعه للقوى . ولو أن كل قوىّ أراد ثمنا لنصرة الضعيف لاختل ميزان الكون وطغى الناس ، ولكن الأقوياء في عالمنا يريدون أن يظلموا بقوتهم ؛ لذلك يختل ميزان الكون الذي نعيش فيه . ولننظر إلى تفويض اللّه لذي القرنين وكيف أحسن ذو القرنين الحكم بين الناس ، وأقام العدل فيهم وكيف ترصد الظالمين ، قال القرآن الكريم على لسان ذي القرنين :