إذن فقول الحق سبحانه وتعالى :
وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ
[ التوبة : 4 ]
أي لم يعينوا ولم يساعدوا أحدا من أعدائكم حتى يتغلب عليكم ، وسماحته سبحانه وتعالى بإتمام مدة العهد تعنى أن هذه المدة كانت أكثر من أربعة أشهر .
وهكذا يعطينا سبحانه جلال عدالته ، فسمح لمن كان العهد معهم أقل من أربعة أشهر ، أن يأخذوا مهلة أربعة أشهر ، والحق سبحانه لا يحب نقض العهد ؛ لذلك طلب من المؤمنين أن يعطوا المشركين الذين عاهدوهم مدة العهد ولو كانت أكثر من أربعة أشهر ؛ حتى يتعلم المؤمن أن يوفى بالعهد ما دام الطرف الآخر يحترمه . وزيادة المدة هنا ؛ أو زيادة المهلة نابعة من قوة اللّه تعالى وقدرته ؛ لأن كل من في الأرض غير معجزي اللّه ، فإن طالت المدة أو قصرت فلن تعطى المشركين ميزة ما ، فاللّه يستطيع أن ينالهم في أي وقت وفي أي مكان .
ويختم الحق سبحانه وتعالى الآية بقوله :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
[ التوبة : 4 ]
والمتقون هم الذين يجعلون بينهم وبين أي شئ ، يغضب اللّه وقاية . وإن تعجب بعض الناس من قول الحق سبحانه وتعالى :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ » *
وقوله :
وَاتَّقُوا النَّارَ
فإننا نقول : إن معنى
اتَّقُوا اللَّهَ *
أي اجعلوا بينكم وبين صفات الجبروت للّه وقاية ، اتقوا صفات الجبروت في اللّه حتى لا يصيبكم عذابه ، فلله صفات جلال منها المنتقم والجبار والقهار ، وله صفات جمال مثل الرحيم ، والوهاب ، الرزاق ، الفتاح ، إذن اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال في اللّه وقاية لكم وحماية من أن تتعرضوا لغضب اللّه تعالى ، والإنسان يتقى صفات الجلال في اللّه بأن يتبع منهجه ويطيعه في كل ما أمر به لينال من فيض صفات الجمال . وقوله الحق سبحانه وتعالى :
وَاتَّقُوا النَّارَ
أي اجعلوا بينكم وبين النار وقاية حتى لا تمسكم النار .