تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4868

مساهمون:

ص٤٨٦٨
وهذا إذن من اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن رسوله إلى علي كرم اللّه وجهه ، ومن على للمؤمنين ، ومن المؤمنين ؛ من سمع لمن لم يسمع ، أن اللّه برئ من المشركين ، وكان هذا إعلانا بالقطيعة ، ولكن اللّه برحمته لا يغلق الباب أمام عباده أبدا ، ولذلك يقول :
فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
[ التوبة : 3 ] أي فتح لهم باب التوبة فإن تابوا عفا اللّه عنهم ، وإن لم يتوبوا فالقول الفصل هو :
وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ التوبة : 3 ] إذن فالحق سبحانه وتعالى قادر عليهم وقادر أن يأتي بهم مهما كانوا ، وعلى النبي والمبلغين عنه أن يبشروا الكفار بالعذاب الأليم ، والبشارة إعلام بخبر سار ، والإنذار إخبار بسوء . فهل العذاب بشارة أم إنذار ؟ . نقول : إن هذا هو جمال أسلوب القرآن الكريم ، يبشر الكفار فيتوقعون خبرا سارا : ثم يعطيهم الخبر السيئ بالعذاب الذي ينتظرهم ؛ تماما كما تأتى إلى إنسان يعاني من العطش الشديد ، ثم تأتى بكوب ماء مثلج وعندما تصل به إليه ويكاد يلمس فمه تفرغه على الأرض ، فيكون هذا زيادة في التعذيب وزيادة في الحسرة ، فالنفس تنبسط أولا ثم يأتي القبض . وفي هذا يقول الشاعر :
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة * فلمّا رأوها أقشعت وتجلّت
وهكذا تكون اللذعة لذعتين ، ابتداء مطمع ، وانتهاء ميئس بينما في الإنذار لذعة واحدة فقط . وانظر إلى قوله الحق تبارك وتعالى :
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا
[ الكهف : 29 ] حين تسمع « يغاثوا » تتوقع الفرج فيأتي الجواب :