ينسى أن الإنسان لا يستطيع أن يقرأ إلا إذا سمع ألفاظ الحروف ، وحين يقال له :
هذه ألف وهذه باء وهذه تاء فهو يتعلم . إذن كل بلاغ إنما يبدأ بالأذن ، والأذن هي أول آلة إدراكية تؤدى مهمتها فور ولادة الإنسان ؛ لأنك إن أشرت بإصبعك إلى عيني طفل مضى على ولادته أيام لا يتأثر . ذلك أن العين لا تبدأ في أداء مهمتها قبل بضعة أيام ، ولكن إذا صرخت بجوار الطفل يسمع وينزعج .
واللّه سبحانه وتعالى حين يتحدث عن وسائل الإدراك يأتي بالسمع أولا فيقول جل جلاله :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
[ النحل : 78 ]
لأن الأذن تبدأ عملها فورا - كما قلنا - والعين لا تبدأ عملها إلا بعد أربعة أو خمسة أيام . والأذن تستقبل بها أصواتا متعددة في وقت واحد . ولكن مجال الرؤية محدود .
وأنت حين لا تريد أن ترى شيئا تبعد عينيك عنه . ولكن الأصوات تصل إلى أذنك من كل مكان دون أن تستطيع منعها . ولذلك يأتي السمع مفردا ، والأبصار متعددة ؛ لأن هذا يرى شيئا وهذا يرى شيئا . لكنك بالأذن تسمع نائما أو متيقظا ، وتأتيك الأصوات ويتوحد المدرك من السمع ؛ فهي آلة الاستدعاء والإيقاظ . ولذلك حين تكلم اللّه عن أهل الكهف يريد أن ينيمهم ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا . رغم أن أقصى ما ينامه الإنسان هو يوم أو بعض يوم ، قال سبحانه وتعالى عنهم في هذا الشأن :
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً
( 11 ) [ الكهف ]
وكان الضرب على الآذان حتى لا يوقظهم صوت عال لإنسان أو حيوان . وهم عندما قاموا :
قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
[ الكهف : 19 ]
لأن الإنسان عادة لا ينام أكثر من هذه المدة ، وهذا يدل على أنهم حين استيقظوا كانوا على الهيئة التي ناموا عليها لم يتغير فيهم شئ ، مما يدل على أن اللّه أوقف تأثير الزمن عليهم ، ولولا أن اللّه قد ضرب على آذانهم لأيقظهم صوت الرعد أو الحيوانات المفترسة أو غيرها من الأصوات . وأثبت لنا العلم الحديث أن من يرقد في الفراش بسبب المرض مدة طويلة يخاف الأطباء من إصابته بقروح الفراش ، فلا يخاف