تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4862

مساهمون:

ص٤٨٦٢
أي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم حسب من بداية الكون إلى هذا الوقت فرجع بالأمر إلى نصابه وألغى النسىء ؛ هذا النسىء الذي كانوا يقررونه أيام الشرك لتقديم أو لتأخير الأشهر الحرم ؛ لأنهم كانوا إذا أتت الأشهر الحرم ويريدون الحرب يؤجلون الشهر الحرام حتى يمكنهم الاستمرار في الحرب . ولذلك كان الحج في هذه السنة في شهر ذي القعدة . وما دام الحج في شهر ذي القعدة ، تنتهى الشهور الأربعة في العاشر من ربيع الأول . وقيل إن اختيار أربعة الأشهر جاء ليوافق ما شرعه اللّه في قوله سبحانه تعالى :
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ
[ التوبة : 36 ] فيكون عدد الأشهر مناسبا لعدد الأشهر الحرم . ولكن هذه المرة فيها ثلاثة أشهر حرم فقط هي : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، والشهر الرابع هو رجب فكيف يقال أربعة ؟ ونقول : إن الأشهر الأربعة الحرم التي فيها رجب هي الأشهر الحرم الدائمة ، أمّا الأشهر الأربعة التي ذكرت في هذه الآية فهي أربعة أشهر للعهد تنتهى بانتهائها ، ولكن أربعة الأشهر الحرم الأصلية تبقى محرمة دائما ، ولقد شرع اللّه عز وجل الأشهر الحرم ليحرم دماء الناس من الناس ؛ ذلك أنّ الحروب بين العرب كانت تستمر سنوات طويلة دون نصر حاسم . فجعل اللّه الأشهر الحرم حتى يجنح الناس إلى السلم ، ويتحكم فيها العقل وتنتهى الحروب . وهنا يبلغنا الحق تبارك وتعالى أنه قد أعطى المشركين أربعة أشهر يسيرون فيها آمنين ، لماذا ؟ لأن الذي يكون ضعيفا مع خصمه ينتهز أي فرصة يقدر عليه فيها ليستغلها ويقضى عليه ، ولا يمهله أربعة أشهر حتى ولا أربعة أيام . ولكن القوى لا يبالي بمد الأجل لخصمه لأنه يستطيع أن يأتي به في أية لحظة . لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ
[ التوبة : 2 ] ويقال فلان أعجز فلانا ، أي جعله ضعيفا عاجزا . ولذلك فإن كلّ شئ معجز شرف للمعجز ، والمثال : عندما جاء القرآن الكريم معجزا للعرب وكان ذلك شرفا
تفسير الشعراوى — صفحة 4862 | محمد متولي الشعراوي