لهم لأنهم كانوا أمة بلاغة وفصاحة . واللّه لا يتحدى الضعيف وإنما يتحدى القوى ، فلغة القرآن أعجزت الفصيح والبليغ . وحين يعطى الحق سبحانه وتعالى هذه المهلة للمشركين إنما كانت ببنود معينة ، وكان أمير الحج في هذا العام سيدنا أبو بكر وكان هو الذي سيبلغ البراءة . وهي أنه لا يدخل المسجد الحرام مشرك ولا يحج مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولن يدخل الجنة إلا من آمن ، هذه هي البنود .
ولكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بفطنته النبوية كان يعرف أن العرب لا يقبلون نقض العهود والمواثيق إلا من أهلها : فأرسل صلّى اللّه عليه وسلّم سيدنا عليا بن أبي طالب ليعلن نقض العهود ؛ لأنه علم أن الكفار كانوا سيقولون : لا نقبل نقض العهد من أبى بكر ، بل لا بد أن يكون من واحد من آل الناقض .
وحينما قال المولى سبحانه وتعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ
[ التوبة : 2 ]
أعطى هذه المهلة الطويلة ، لأنهم مهما فعلوا في هذه المهلة ، فاللّه غالب على أمره .
فلن يفوت أو يغيب شئ عنه سبحانه وتعالى ، ومهما حاولوا أن يجدوا حلفاء لهم فلن يستطيعوا شيئا مع اللّه ، صحيح أنهم ضعاف في هذه الفترة ، وصحيح أنّ الضعيف قد تكون قدرته على القوى مميتة لأنه يعرف أن فرصته واحدة ، وإن لم يقدر على خصمه فسوف ينتهى ، لكن اللّه غالب على أمره . وأراد الشاعر العربي أن يعبر عن ذلك فقال :
وضعيفة فإذا أصابت فرصة * قتلت كذلك قدرة الضعفاء
لأن الضعيف ينتهز الفرصة ليقضى على خصمه . أما القوى فيعرف أنه قادر على خصمه في أي وقت ، ثم يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ
[ التوبة : 2 ]
الإخزاء هو الإذلال بفضيحة وعار ولا يكون ذلك إلا لمن كان متكبرا متعاليا . أي أن اللّه قادر على أن يخزى الكفار بفضيحة وعار مهما بلغت قوتهم وكبرهم .