ونعلم أنّ « إن » حرف شرط وتستعمل للأمر المشكوك فيه ، وهي غير « إذا » التي تستعمل للشئ المحقق ، وحين يقول اللّه سبحانه وتعالى :
« وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها » .
فهذا شك في أن يقبل أحد على عدّ نعم اللّه ؛ لأن الذي يمكن أن يقبل على إحصاء عددي لأمرما ، هو من يظن أن هناك إمكانة للإحصاء . ولو حاول إنسان أن يحصى نعم اللّه تعالى لما استطاع ؛ لذلك جاء الحق هنا ب « إن » فالإنسان قد يظن أنه قادر على إحصاء نعم اللّه لكن أحدا لن يستطيع ذلك .
ومن ناحية المنعم ، هناك استدامة من المنعم على المنعم عليه ، ودليل ذلك أنه غفور ورحيم ولا يتخلى عن العاصين فيمنع عنهم النعم ، فهو الذي استدعاهم جميعا إلى هذا الوجود . فسبحانه منعم على الإنسان والإنسان ظلوم كفار ، ولكنه سبحانه غفور رحيم .
والآن إلى خواطرنا في سورة التوبة التي رأينا أن نستلهمها مما تقدم من التحليق في آفاق
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » . *
وسبحانه وتعالى قد صنف في سورة التوبة المشركين وأهل الكتاب والمنافقين ، وقد قلنا إن المنافق تتعاند ملكاته فهو يعلن إيمانا ويبطن كفرا ، ولذلك قال اللّه سبحانه وتعالى :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
( 14 ) [ البقرة ]
وعندما تتعاند ملكات الإنسان يكون محتقرا بين الناس وبينه وبين نفسه . ولقد اتفق جمهور الفقهاء على أن من أسماء التوبة « الفاضحة » لأنها فضحت المنافقين .
وقد روى سعيد بن جبير قال : سألت ابن عباس رضى اللّه عنه عن سورة براءة فقال : تلك الفاضحة ، وما زال ينزل : ومنهم ومنهم حتى خفنا ألا تدع أحدا .
وهؤلاء المنافقون منهم من قال في غزوة تبوك :
ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي
[ التوبة : 49 ]